النهار

السبت، 17 نوفمبر 2018 09:45 م
النهار

منحازون... للحقيقة فقط

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

رئيس التحرير

اسامة شرشر يكتب: ضحايا كرة الدم

النهار

ماذا يحدث في مصر المحروسة؟ ولماذا هذا التوقيت؟ ومن وراء ذلك؟  

كل هذه التساؤلات تدور في الشارع المصري وحديث الناس، فرغم أن مصر تستقبل الرئيس بوتين في توقيت له دلالة إستراتيجية ورسالة للعالم في كل الاتجاهات، ومع اقتراب موعد القمة الاقتصادية المقررة في منتصف مارس المقبل، ومع عقد أول قمة عربية يحضرها ويترأسها الرئيس السيسي في نهاية مارس، وكانت الرسالة القوية التي زلزلت الجميع في الداخل وفي الخارج هو فتح باب الترشح لعضوية مجلس النواب ٢٠١٥ لتكون الخاتمة في استكمال دولة المؤسسات وأخطرها وأهمها المجلس التشريعي..

وأمام هذا الزخم السياسي والاقتصادي وحالة الحراك الانتخابي وقيام الحكومة بالسفر والدعوة لحضور القمة الاقتصادية، وحالات الاستجابات الفورية من أغلب دول العالم، نفاجأ بمهزلة بكل المقاييس لا تمت للرياضة والأخلاق بشيء، فسقوط ضحايا كرة الدم أصبح مشهدا مؤثرا ويهز صورة مصر أمام العالم، خاصة مع غياب المعلومات بالإضافة إلى غياب رؤية إدارة الأزمات قبل وقوعها، لكننا للأسف الشديد مازلنا نتعامل بسياسة رد الفعل وليس الفعل، فعندما تغيب الحقيقة ويختفي القاتل الحقيقي، وتكثر الشائعات والاتهامات يكون الضحية هو المواطن المصري، فسقوط ضحايا عشاق كرة القدم في إستاد الدفاع الجوي يعطي مؤشرا أن هناك خللا جسيما وحلقة مفقودة بين كل الأجهزة المعنية بهذه الكارثة الإنسانية. 

فدعونا نحلل المشهد، لماذا الإصرار هذه المرة على إقامة مباريات بحضور جمهور، وهذا غير المتفق عليه بعدم حضور الجماهير لهذه المباريات بعد حادثة بورسعيد، من وراء الضغط على الداخلية ووزارة الشباب والرياضة والأندية الرياضية لضرورة حضور الجمهور لمشاهدة المباريات، ناهيك عن حالة الفوضى التي شهدتها المباراة من عدم وجود منافذ لبيع التذاكر وزيادة عدد الحاضرين بلا ضوابط، وكأن هناك تعمدا لإحداث كارثة تسيء إلى مصر وشعبها، كما لابد أن نتفق أن الأولتراس الأهلاوي أصبح في يد خيرت الشاطر وأتباعه أما الوايت نايتس في يد حازم أبو إسماعيل وهذه حقيقة لا يمكن الخلاف عليها وهذه حقائق لابد أن نتعامل معها على أرض الواقع، لأن هذه المجموعات  التي تم شراؤها هدفها تشويه الدولة المصرية والصدام مع رجال الجيش، وإسقاط الشرطة المصرية، ونشر حالة من الخوف والذعر والبلبلة لدى المواطنين، فهل هذه المعلومات خافية على أجهزة الأمن ومجالس إدارات الأندية حتى تتم دعوة الجماهير لحضور المباريات؟ أم لحرقها وسقوط ضحايا كرة الدم في جريمة هزت وجدان الشعب المصري. 

كل هذه الاستنتاجات ألا تجعلنا نفكر جديا في الاعتراف بأخطائنا وقصورنا وإهمالنا من كل الجهات مع أهمية وضع أو إنشاء إدارة لمواجهة الأزمات وتحليل الأحداث ووضع رؤية استباقية قبل حدوث الكوارث التي تقتل أولادنا وتكبدنا الخسائر من الأرواح والممتلكات وتهز هيبة الدولة ومؤسساتها وتسيء إلى صورة مصر في الداخل والخارج لأن جماعات وميليشيات الإخوان تنتظر حدوث الكوارث لتفرح وتشفي غليلها حتى قدسية الموت لا تهزهم، بل يتاجرون بدماء وأرواح الضحايا، ولم لا؟! فهم يضعون القنابل الإخوانية في كل مكان حتى يتم تفكيك الوطن وترهيب المواطنين.

فكل ما يجري من سقوط ضحايا جدد في كرة الدم، يجعلنا ننتبه أننا مستهدفون من داخلنا وخارجنا، فمعظم النار من مستصغر الشرر والإخوان، ولا عزاء للإهمال.

 

بوتين فى الأوبرا

لاشك أن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى مصر تعطي دلالة إستراتيجية على أهمية الدور المصري على الخريطة الدولية والإقليمية والعربية، وما أعجبني في هذا الرجل الذي أعاد العصر الذهبي إلى روسيا الاتحادية كدولة عظمى، أن روسيا أصبحت تستخدم حق الفيتو الإنساني ضد المطامع الإمريكية في كثير من مناطق العالم، وأصبحت روسيا تمثل حائط الصد الإستراتيجي لكثير من الدول التي تحتمي بها لتمنع الشيطان والنفوذ الأمريكي من إسقاط الدول وتفكيكها، وظهر ذلك واضحا في الملف السوري عندما وقف بوتين رافضا ضرب الأمريكان لدمشق وإسقاط بشار الأسد، فكان الإنذار الروسي زلزالا سياسيا موجها إلى الأمريكان والأوروبيين، وكانت المواجهة الأخرى في أوكرانيا عندما وقف بوتين معلنا أن شبه جزيرة القرم أرض روسية، رغم كل التهديدات الأمريكية واستخدام كل أساليب الحصار والعقوبات الاقتصادية فإن المارد الروسي الجديد ضرب بكل ذلك عرض الحائط متحديا الأمريكان والأوروبيين لتشرق من جديد شمس روسيا التي تنحاز دائما في تركيبتها ومفرداتها ومضمونها إلى الشعوب ضد الاستبداد والطغيان واستخدام الآلة العسكرية لتحقيق مطامع سياسية تحت يافطة الأمم المتحدة ونشر السلام الدولي. 

فلذلك كانت زيارة بوتين لمصر في هذا التوقيت ولقاؤه بالرئيس عبد الفتاح السيسي الذي تجمعهما قواسم مشتركة هي الوطنية والانتماء إلى المؤسسات العسكرية، وكراهيتهما لجماعة وتنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي، فضلا عن رؤيتهما المشتركة في كثير من الملفات السياسية وخاصة الأزمة السورية والملف الإيراني والموقف في ليبيا والعراق واليمن، بالإضافة إلى التعاون العسكري الذي أعاد إلى ذاكرة المواطن في البلدين تاريخ النضال والمقاومة منذ الستينيات عندما كانت مصر تعتمد على السلاح الروسي الذي عبرنا به القناة وأسقطنا الغطرسة الأمريكية وأسقطنا الغرور الإسرائيلي في حرب ٧٣ ، ناهيك عن الدور الروسي القوي في تفعيل وتنشيط السياحة المصرية لأن روسيا تعتبر شريكا كبيرا في تصدير أكثر من ٢٠ بالمائة من إجمالي عدد السائحين الذين يأتون إلى مصر، بالإضافة إلى الاستثمارات الروسية الواعدة وخاصة في مشروع قناة السويس الجديدة، فلذلك فإن زيارة بوتين بكل المقاييس والمعايير السياسية هي صفعة ولطمة قوية للأمريكان وشركائهم من الإخوان وتنظيمهم الدموي.

فلذلك تعتبر العلاقات الثقافية والتراثية والحضارية بين الدب الروسي وقاهرة المعز من خلال تبادل الخبرات والكتاب والمثقفين بين البلدين حدثا مهما في تاريخ البلدين، وأعتقد أن زيارة الرئيس بوتين إلى الأوبرا في هذا التوقيت تعطي مؤشرا خطيرا لشخصية هذا الرجل أنه من عشاق الفنون والموسيقى والإبداع، فروسيا ذات الموروث الحضاري الغنية بفلاسفتها وكتابها ومؤرخيها تجد أن علاقتها بمصر وشعبها هي علاقة ذات بعد حضاري وتاريخي وثقافي، وإذا كانت روسيا بقيصرها وحضارتها تجد نفسها عاشقة لحضارة الشعب المصري وآثاره وتراثه، فأمتان ذاتا تاريخ حضاري وفكري وثقافي أفضل بكثير من بلدان تحكم العالم الآن ولكن ليس لها حضارة أو تاريخ ضارب في أعماق البشرية. 

فادعاء الحفاظ على حريات حقوق الإنسان واتهام مصر وروسيا بأنهما ضد ذلك، إنما يؤكد على الغيرة الحضارية والثقافية والتراثية من هذين البلدين المحوريين في العالم.

اللقطة التي لم يتناولها الكثيرون هي أنه إبان ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣ رفع المصريون في ميادين التحرير في كل محافظات مصر صورة الرئيس بوتين الداعم للشعب المصري وأول من اعترف بهذه الثورة البيضاء التي أطاحت بطيور الظلام من الإخوان، فلذلك كان ذكاء وحس الكتلة المصرية الصامتة ورفعهم لصورة بوتين دليلا قويا على ذكاء هذا الشعب الذي يفرق بين من يقف معه في الأزمات وبين عدو يحاول حرق الأوطان وقتل المواطنين وتفكيك البلاد وإثارة نوازع الحروب الطائفية والدينية وإشعال نعرات الانقسام والفرقة، فنحن نتذكر قيام الشعب المصري بحرق صورة أوباما في ميادين التحرير وهذا يؤكد أن العلاقة المصرية الروسية مهما حدث ستظل في ذاكرة الوطن وفي قلوب وعقول الشعب المصري أما العلاقة مع الأمريكان فهي دائما على المحك وعلى خط المواجهة والنار لأنهم مثل الإخوان لا عهد لهم ولا أمان في أقوالهم.

النهار, أسامة شرشر