النهار

الثلاثاء، 13 نوفمبر 2018 07:43 ص
النهار

منحازون... للحقيقة فقط

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

رئيس التحرير

اسامة شرشر يكتب : حكاية نبيل فهمى وزواج الأمريكان

النهار

لا شك أن المشهد العام فى مصر المحروسة يثير نوعا من العبث والارتباك فى محاولات بعض الأقزام أو النخب أو المدعين الجدد أن ينالوا من الشخصيات الوطنية والخارجية المصرية، أحد الثوابت الراسخة على مر الايام والعهود والحكام، لأدائها المتميز واستقلاليتها فى التحرك فى كل الاتجاهات لمواجهة الرياح والموجات التى تريد أن تهدم هذا الكيان المصرى العظيم، الذى يحمل بداخله نماذج ومجاميع من السفراء الذين لعبوا أدواراً خطيرة فى أهم اللحظات التاريخية التى كانت تمر بها البلاد، وها هى اليوم بعد أن نجحت بالعبور بمصر بعد 30 يونيو فى أخطر مرحلة انتقالية شهدتها مصر بعد ان تم حصارها داخليا بأدوات ونوعيات وأقلام أرادت إسقاط الدولة المصرية لصالح توجهاتهم الخارجية وارتباطاتهم بالأمريكان والتنظيم الدولى للإخوان.

ومن هنا تبدأ حكاية نبيل فهمى الذى استلم حقيبة الخارجية بعد 30 يونيو ليعمل فى صمت وبلا إعلام أو إعلان عن ترميم ما حدث فى جدران العلاقات الخارجية لمصر بعد حكم الإخوان، والتراكمات والإخفاقات خلال 30 عاما مضت، فاستطاع الرجل أن يعمل على عدة محاور بشكل علمى وعملى مستخدما القوة الدبلوماسية الناعمة التى تخترق كل الأزمات، فمصر كانت تعيش حالة من الغيبوبة الدبلوماسية بعد أن نجح الاخوان فى قطع كل العلاقات الدبلوماسية مع البلدان العربية والدولية لحساب مصالحهم الاخوانية مع بعض البلدان بعينها.

فقام فهمى بوضع استراتيجية تبدأ بإعادة العلاقات العربية العربية، لأنها ستكون نقطة الانطلاق الى العالم الخارجى ولعب دورا خطيرا مع نظيره السعودى الأمير سعود الفيصل، أخطر وزراء خارجية العالم، وكذلك الشيخ عبد الله بن زايد وزير خارجية الامارات والشيخ صباح الخالد الصباح وزير خارجية الكويت، فاستطاع فهمى بالتخطيط والتنسيق وتبادل المعلومات أن يقتحم الاتحاد الاوروبى بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من أن يفرض حصارا اقتصاديا على مصر فى بروكسيل فى اغسطس الماضى، ونتيجة الدبلوماسية المصرية والعربية نجحوا فى فض هذا الاشتباك مع الاتحاد الاوروبى ووقف أى إدانة لمص،ر بل على العكس نجحوا فى استصدار قرار بتأييد الاتحاد الأوروبى لخارطة الطريق ولثورة 30 يونيو، وكانت هذه أول «خبطة» دبلوماسية لنبيل فهمى لتفكيك المخطط التركى القطرى فى حصار الثورة المصرية فى أوروبا.

فكان المحور العربى هو قاطرة التوجه الى المصالح الدولية، لأن العلاقات بين الدول مثل العلاقات بين الافراد تحكمها اشياء واشياء كثيرة، وأهمها لغة المصالح والصفقات فى كل المجالات، وانطلق فهمى من المحور العربى إلى أخطر محور وهو المحور الأفريقى، الذى قام بتعليق عضوية مصر فى الاتحاد الأفريقى وتصدرت المشهد الافريقى نيجيريا وجنوب افريقيا، ولكن بفضل الزيارات المكوكية واللقاءات الثنائية والتعامل مع لغة الواقع والمصالح المستمرة مع افريقيا وليس من خلال وهم الماضى فقط، نجحت الدبلوماسية المصرية فى اختراق الجدار العازل الافريقى، وحدث التقارب الحقيقى مع الدول الفاعلة فى القارة الافريقية، التى كانت تأخذ على مصر أنها تأتى اليها وقت الأزمات فقط، ثم تختفى.

فعقد فهمى شراكة مصرية افريقية مع كثير من البلدان، حتى تغير الموقف الافريقى الى النقيض، وجاءت جنوب افريقيا الى مصر وكذلك نيجيريا، لتعلن أنه لا استغناء عن الدور المصرى فى افريقيا.

وهكذا تكون الدبلوماسية والمواقف فى اللحظات الصعبة، والأخطر فى هذا الملف الافريقى هو موضوع سد النهضة مع إثيوبيا بعد أن أخذت الضوء الاخضر من الاخوان فى الاسراع ببناء سد النهضة بتكتيك واتفاق مصرى قطرى مع الحكومة الإثيوبية، بأنه لا خطر من بناء هذا السد وحدثت التمثيلية الهزلية على الهواء، المتفق عليها مع مرسى وأتباعه حتى يعلم العالم ان مصر اصبح أمنها القومى مباحا ومستباحا، فنجحت خطة نبيل فهمى فى تجفيف منابع التمويل لسد النهضة من خلال الاتصالات الدبلوماسية المكثفة المعلنة وغير المعلنة مع الجانب الصينى وروسيا والبنك والصندوق الدولى، ونجح فهمى فى وقف تمويل هذا السد حتى اعلنت اثيوبيا مؤخرا بعد عناد طويل انها لا تقبل الحوار او التدخل فى الشأن الداخلى، بعد أن نجحت تركيا وقطر فى تحييد السودان ووقوفها بجانب اثيوبيا ضد مصر فى اخطر توقيت تمر به البلاد، ولكن فهمى نجح فى ضرب هذا الحصار واختراقه ووقف تمويل السد الإثيوبى، ونجحت الدبلوماسية المصرية فى عرض القضية المصرية أمام المحافل الدولية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية، بأن اثيوبيا قفزت على كل الاتفاقيات الخاصة بالانهار خاصة نهر النيل، مستغلة الظروف الاستثنائية التى كانت تمر بها مصر لمحاولة فرض سياسة الامر الواقع.

وها هو اليوم يطلب وزير الخارجية الاثيوبى لقاء نبيل فهمى فى الامارات برعاية عبد الله بن زايد لمحاولة فك الحصار الدبلوماسى المصرى عن اثيوبيا عربيا وافريقيا ودوليا، وهكذا ينجح نبيل فهمى وكتيبة الخارجية المصرية الوطنية فى العودة الى افريقيا مرة ثانية بعد الحقبة الناصرية التاريخية فى القرن الافريقى، ولكن من خلال ادوات ومعطيات وشراكة حقيقية مع البلدان الافريقية، لتكون افريقيا هى الجسر الذى تعبر به مصر الى العالم الخارجى من خلال البوابة الافريقية التى تعتبر الامتداد الجغرافى والتاريخى لمصر فى المرحلة القادمة.

وكانت المحطة الخارجية الخطيرة التى لعب فيها نبيل فهمى دورا خطيرا ومحوريا بعد ثورة 30 يونيو، هى فتح قناة اتصال قوية مع الدب الروسى الذى استعاد عافيته ومكانته الدولية ورداً على الموقف والتهديدات الامريكية ومنع المساعدات العسكرية وتسليم الطائرات الاباتشى المتفق عليها واستغلال الظرف المصرى، حالة الارتباك الداخلى فى الضغط على الحكومة المصرية فى محاولة عودة الاخوان للمشهد السياسى المصري، فكانت رؤية الخارجية المصرية بضرورة تنويع مصادر السلاح وفتح آفاق جديدة للتعامل مع الجانب الروسى فى كل المجالات الاقتصادية والعسكرية، وتوجت هذه المساعى السياسية باعتراف الرئيس بوتين بالثورة المصرية ودعم خارطة الطريق.

وكانت المفاجأة التى أربكت الادارة الامريكية هى الزيارة التى قام بها السيسى وفهمى الى موسكو ولقائهما بالرئيس بوتين، والتى كانت نقطة انطلاق دولية اقليمية لاستعادة مصر وضعها الطبيعى فى عالمنا المتغير لحظة تلو الأخرى.

وأدى هذا الموقف الى فتح قنوات الدبلوماسية مع الصين وبلدان امريكا الجنوبية وإلى إرباك الحسابات الاوروبية والامريكية.

ومن المفارقات الدبلوماسية الخطيرة والعجيبة ان يطلب الاوروبيون والامريكان أن تلعب مصر دورا فى الازمة الاوكرانية لعلاقتها المتميزة مع الروس.

كل ذلك لم يأت من فراغ رغم أن المساحة الزمنية لا تتعدى تسعة أشهر، لكن نجحت الدبلوماسية المصرية فى اختراق كل الحواجز والعمل على كل المحاور بشكل متوازن وسريع وغير معلن، وهكذا تكون الدبلوماسية هى المقدمة الحقيقية للدول كى تحقق من خلالها كل الاهداف المطلوبة.

ومن هنا جاء الطلب الامريكى لجون كيرى ليرتب موعدا لنبيل فهمى لزيارة امريكا، ولأن فهمى الذى عمل سفيرا فى واشنطن مدة 9 سنوات يعلم اوراق الضغط الحقيقية داخل وخارج الادارة الامريكية، فأعد برنامجا خطيرا لتصحيح المفاهيم والاوضاع ومواجهة الآلة الاعلامية الامريكية التى تدعم الاخوان، فكانت لقاءاته مكثفة مع وسائل الاعلام والصحافة الامريكية والمنظمات غير الحكومية واعضاء الكونجرس ليشرح لهم خارطة الطريق المصرية وما انجزته مصر من دستور يحاكى الدساتير الاوروبية والامريكية، واننا على بعد خطوات وايام من الاستحقاق الثانى واجراء الانتخابات الرئاسية من خلال الارادة المصرية، ورفض فهمى رفضا كاملا أى تعليق على الاحكام القضائية، لأنه اجاب عن الجميع من الامريكان بأن القضاء المصرى مستقل ولا يجوز التعليق على أحكامه، وأن مصر تبنى ديمقراطيتها الحقيقية من خلال ارادة شعبها ولا تسمح لأحد بأن يتدخل فى هذا الشأن.

وطالب كل منظمات حقوق الانسان والمجتمع المدنى بأن تجيء الى مصر لتراقب الانتخابات الرئاسية مباشرة حتى لا يقال إنها مزورة وضد ارادة ابناء مصر.

وكشف فهمى خطط الاخوان فى محاولة اسقاط الدولة المصرية من خلال دعم العناصر الارهابية والدور الذى يلعبه التنظيم الدولى للاخوان فى قلب الحقائق على ارض الواقع ومحاولة تشويه خارطة الطريق، والاكثر خطورة هو وصف الجيش المصرى بقتل الشعب.

وكانت الطامة الكبرى التى استغلها البعض من النفوس المريضة والمتعاطفين مع الاخوان وبعض المدعين بلا علم أو معرفة من الإعلاميين فى محاولة ضرب النجاحات الدبلوماسية للخارجية المصرية، عندما أشعلوا المواقع والفضائيات بأن نبيل فهمى وصف العلاقات المصرية الامريكية بأنها زواج شرعى، واخذوا يتهمون الرجل فى وطنيته بل أصبحوا مثل الإخوان يكيلون له الاتهامات وهم لا يعلمون ولا يدركون انهم يقفون مع الارهابيين والاخوان والقطريين فى خندق واحد، لأن مهندس عودة العلاقات المصرية الروسية هو نبيل فهمى فكيف بالله عليهم ان يصدقوا ان العلاقة المصرية الامريكية التى وصفها فهمى كثيرا ومرارا وتكرارا بأنها مضطربة ومتوترة وليست على المستوى الدبلوماسى المطلوب، فأصبح هؤلاء الاقزام الجدد يريدون ان يحطموا الخارجية المصرية ورموزها التى لعبت ادوارا دبلوماسية سيذكرها التاريخ وستتوقف امامها الاجيال القادمة، لتعرف انهم لم يفرطوا فى كرامة او كبرياء هذا الوطن، فأى زواج يتحدثون عنه؟! فهل هو زواج عرفى أم سياسى ام اقتصادى أم أن هناك حالة انفصال وطلاق سياسى بائن بين مصر وأمريكا؟

أعتقد ان حكاية نبيل فهمى مع الامريكان تشبه حكاية فيلم زواج فؤادة من عتريس باطل!، لأننا نعيش الآن للأسف الشديد فى زمن اللا معقول، فكل شىء أصبح مباحا ومستباحا لانه عندما تسقط القيم والأخلاق والنقد البناء فعلى الدنيا السلام.

وسيبقى نبيل فهمى وكتيبة الخارجية المصرية الوطنية حتى لو كره المتأسلمون أو الناكرون أو أشباه الرجال... وشكر الله سعيكم.... وعجبى!

النهار, أسامة شرشر