النهار

الجمعة، 16 نوفمبر 2018 09:17 ص
النهار

منحازون... للحقيقة فقط

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

مقالات

شعبان خليفة يكتب : ”لمن أحكى كآبتي”

النهار

العنوان أعلاه هو عنوان قصة قصيرة لـ " ملك القصة القصيرة "  بلا منازع «انطون بافلوفيتش تشيخوف» الذى ولد سنة 1860، ومات سنة 1904 والذى درس الطب ثم عمل بالصحافة الأدبية ثم اشتغل بالأدب.. هذه القصة طالعتها فى المرحلة الثانوية وتركت أثراً عميقاً فى نفسى على ما يبدو فيها من بساطة .. ففى هذه القصة "لمن أحكى كآبتي" يصور  تشيخوف  ( مأساة سائق عربة " حنطور " يقوم بتوصيل الزبائن من أمام الحانات لمنازلهم ..ذات يوم  مات ابنه وأراد أن يحكى  لأى أحد عن موته ليخفف عن نفسه، وما أن يقول وعيناه تدمع : سيدى.. مات ابنى اليوم ..حتى يكشف أن الزبون دخل فى غيبوبة  ..فينتهى به الأمر إلى أن يحكى لحصانه موت ابنه والألم الذى يعتصره لموته وقد كان الحصان هو الوحيد الذى استمع إليه... ) فى أوقات كثيرة أشعر أن معظم المصريين هم ذلك السائق وأنهم أيضاً يبحثون عن من يحكون له كآبتهم وللمفارقة أنه عندما ظهر تشيخوف على مسرح الحياة كانت التناقضات تمزق أوصال المجتمع الروسى كتلك المتناقضات التى تمزق أوصال المجتمع المصرى وكانت طبقة الفلاحين والكادحين هى أكثر الطبقات إحساساً بالفقر والبؤس دون أن يشعر بها ولاة الأمر .. كانت هذه الطبقة تتألم تحت وطأة الهموم وكان أشد هذه الهموم هو انعدام الأمل.. لم يكن هناك أى أمل أمام هذه الطبقة فى حياة إنسانية كريمة " عيش حرة عدالة اجتماعية " .. أما الطبقة الوسطى وبخاصة المثقفين .. فقد حاصرهم اليأس وحاولوا تناسى يأسهم بالانغماس فى اللهو ولم يعد فى الميدان إلا أولئك المتطرفون فى مثاليتهم وقد قبعوا يتطلعون إلى الغد المجهول بعيون حزينة يسكنها اليأس من هذه الحياة التى يعيشونها و يراودها الأمل فى مستقبل يحمل السعادة إليهم .كان الوجود الإنسانى مأساة عبر عنها تشيخوف وصورها فى قصصه القصيرة الغزيرة ما يميز تشخيوف بحسب كل من درسوه أن أبطال قصصه ليسوا ملوكاً ولا أمراء بل أناس عاديون بسطاء فى قصص تشخيوف على كثرتها ليس هناك من قصتين متشابهتين لا فى الأشخاص ولا فى الحوادث.ولقد كانت معرفته بالرجال والنساء عميقة وواسعة أيضاً كانت قدرته على التركيز مدهشة..أن الفكرة الغامضة التى يحتاج بعض الكتاب لإظهارها إلى رواية يستطيع تشيخوف إخراجها فى صفحات قليلة. فقد كان يدرس أبطاله جيداً وكان يفهمهم تماماً وكان يستطيع ببساطة أن يعبر عن شخصياتهم وقد عرف كيف ينفذ إلى أعماق النفس الإنسانية.ومن عجب أن كل ابطاله هم فى نهاية الأمر أصدقاؤه وهو يتعامل معهم لا كقاض يصدر أحكامه وإنما كمحام يترافع عنهم .

 

النهار, أسامة شرشر