النهار

الأربعاء، 14 نوفمبر 2018 05:46 م
النهار

منحازون... للحقيقة فقط

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

منوعات

تقبل الأمر.. الخطوة الأولى نحو العلاج من الاكتئاب

النهار

قبل بضع سنوات، وصلت دوروثيا مولر إلى حافة الانهيار. وكان وقتها منتصف الشتاء، حيث أصبح سلوك زوجها يتسم بغرابة الأطوار بشكل متزايد.

وتقول مولر (52 عاما) وهي من سكان برلين وتم حجب اسمها الحقيقي: "لقد خسر ما يقرب من 10 كيلوجرامات من وزنه في غضون ثلاثة أشهر، فهو يستيقظ صاخبا في الساعة الرابعة صباح كل يوم ويتفادى الرد على جميع الاسئلة وكذلك الاتصال الجسدي".

وعندما بدأ الحديث عن الرغبة في إلقاء نفسه أمام قطار، أخذته إلى طبيب الأسرة في نفس اليوم وقالت إنها ظنت أنه يعاني من الاكتئاب.

وقال الطبيب: "انتظري ثلاثة أشهر، وسيكون أفضل، ففي هذا الطقس يصبح الجميع متعكر المزاج"، وأعطى للزوجين رقم هاتف طبيب نفساني ليتصلا به فقط في عند الحاجة.

ولكن حالته لم تتحسن. واعتقد الطبيب في وقت لاحق أن زوجها يعاني من الحرمان من الأكسجين أثناء النوم. 

وبعد خضوعه لـ10 جلسات، اقترح الطبيب النفسي أن مشكلة مرتبطة بالعلاقة بينهما، وليست متعلقة بالعمل، يمكن أن تكون هي السبب الرئيسي في سلوكه.

بحلول ذلك الوقت، كانت مولر قد تركت المنزل بالفعل. وتقول: "لم أكن أملك أي شكل من أشكال الشراكة، وشعرت بأن زوجي قد هجرني تماما. وقد رفض كل محاولاتها للمناقشة، وأصر على أنه غير مصاب بالاكتئاب.

ومر عام آخر قبل أن يطلب في نهاية المطاف مساعدة نفسية من تلقاء نفسه، حيث تم تشخيص حالته بأنها حالة اكتئاب معتدل. وفي ذلك الوقت، كان قد صار مفلسا. 

وقصة مولر ليست قصة غير عادية. ففي الخريف الماضي، أطلقت منظمة الصحة العالمية حملة لمدة سنة بهدف تشجيع المزيد من المصابين بالاكتئاب على التماس المساعدة. وكجزء من الحملة، تم تخصيص يوم الصحة العالمي في أبريل بعنوان "الاكتئاب - دعونا نتحدث".

ولا يزال الاكتئاب موضوعا محرما لكثير من الناس، ولا سيما بالنسبة للرجال. ولكن لا يمكن التقليل من حجم تلك المشكلة.

ووفقا للجمعية الألمانية لمساعدة مرضى الاكتئاب ، فإنه في كل عام يتطور الشعور بالاكتئاب لدى أكثر من 3ر5 مليون شخص في ألمانيا وحدها ، الأمر الذي يؤدي إلى نحو 10 آلاف حالة انتحار في البلاد سنويا.

ويقول معهد روبرت كوخ للأمراض المعدية ومقره برلين، وهو المسؤول عن مكافحة الأمراض والوقاية منها، إن الاكتئاب هو من أكثر الأمراض العقلية شيوعا في ألمانيا، ويصاب به أناس من جميع الأعمار والطبقات الاجتماعية.

كما أوضح الدكتور أولريخ هيجيرل، مدير قسم الطب النفسي والعلاج النفسي في مستشفى جامعة لايبزيج: "هناك شيء غريب حول الأمراض العقلية".

ويضيف هيجيرل ، إنها ليست مجرد تغيير عضو أو جهاز آخر في الجسم، بل بالأحرى التكوين الداخلي الأعمق داخل الناس أنفسهم. وبالنسبة لمن يصاب بتلك الأمراض ، فإنه يصعب عليه تقبل ذلك.

ويقول هيجيرل: "ينطبق الشيء نفسه على الأقارب والأصدقاء وزملاء العمل الذين يلاحظون أيضا هذه التغييرات، حيث يصيبهم القلق لأنهم لا يفهمونها".

ويؤكد هيجيرل أن الاكتئاب ليس رد فعل على الظروف الشخصية الصعبة أو الإجهاد أو مشاكل أخرى،:"إنه مرض واضح وخطير".

ويقول هيجيرل إن كثير من الناس يخلطون بين الاكتئاب وشعور المرء بأنه "في مزاج سيئ"،و أنه غالبا ما يصيب الناس الذين عندما يكونون بصحة جيدة ، فإن ما يشغل بالهم هو استشعار المسؤولية والحرص على حسن الأداء. وبالتالي فإن التغيرات في شخصيتهم تكون محيرة بشكل خاص لمن حولهم.

وعندما تقول لأناس مصابين بالاكتئاب أشياء مثل "تخلص من هذا الشعور!" فإن ذلك يسبب لهم ضيقا أكبر.

ويقول هيجيرل: "عندما يكون الاكتئاب شديدا، فإنه حتى أكثر الناس انضباطا لا يستطيعون أن يتغلبوا على ذلك بأنفسهم"، مضيفا أنه عادة ما يعالج المرض بدرجة كبيرة بمساعدة مهنية.

وفي حين أن التجارب المؤلمة نفسيا يمكن أن تسبب الاكتئاب، فإن بعض الناس يكون لديهم استعداد وراثي للإصابة بالمرض .

ويقول هيجيرل: "إن الاستعداد للإصابة بالمرض يؤدي إلى تغيير في وظائف الدماغ، وعلى سبيل المثال، ردود فعل أقوى لأنواع مختلفة من الإجهاد".

ويوضح هيجيرل أن ذلك يؤثر حينئذ، على النواقل العصبية التي تتحكم في النوم والشهية، وكذلك القدرة على الشعور بالفرح أو الأمل. ويتسبب الاكتئاب في إبراز التجارب السلبية - سواء كان سببها الإجهاد في العمل، أو المشاكل الخاصة بالعلاقات ، أو الشكاوى الجسدية - في مقدمة عقل الشخص وتتضخم لديه بشكل كبير.

وتكون الآثار المرتبطة بالاكتئاب عميقة الجذور، لكن هيجيرل يقول إنه تم إحراز تقدم في علاج الاكتئاب ، حيث أنه أصبح في الإمكان الان تشخيص المرض بشكل متكرر أكثر مما كان عليه من قبل، على الرغم من انه لا يحدث بشكل متكرر.

ويقول هيجيرل : "إن التطور الإيجابي الذي حدث بشكل لا يصدق هو انخفاض معدل الانتحار في ألمانيا. ومن وجهة نظره فإن هناك علامة جيدة أخرى، ألا وهي أن المشاهير مثل المغنية وكاتبة الاغاني الانجليزية أديل والمغني الاميركي بروس سبرينجستين تحدثا بصراحة عن صراعاتهم مع الاكتئاب.

ولكن حتى الذين يعترفون بإصابتهم بالاكتئاب ويسعون للحصول على مساعدة مهنية قد يجدون صعوبة كبيرة في العثور على الطبيب المناسب.
ويوضح هيجيرل أنه : "في نظام الرعاية الصحية عندنا ، فإن الاكتئاب هو المرض الذي لديه أكبر مجال للتحسين". ويستطرد قائلا إنه على الرغم من أن خيارات العلاج الجيدة متوفرة في شكل مضادات الاكتئاب والعلاج النفسي، إلا أنه يتم علاج عدد قليل من المرضى وفقا للخطوط الاسترشادية.

أما بالنسبة لمولر، فإنها لا تزال تحاول فهم مرض زوجها. وقد قرأت كتبا عن الاكتئاب وتحدثت مع أشخاص آخرين يعانون منه. وهي تتجنب الآن وضع ضغوط على زوجها، ولا تحدث أي تغييرات مفاجئة، وتحاول التحلي بالصبر.

وتقول مولر: "إن مضادات الاكتئاب جعلته أكثر هدوءا في الطباع". وقد ساعده هذا على العودة إلى العمل مرة أخرى - ولكن لبعض الوقت فقط وبدون العودة إلى مكتبه الخاص. وهو لا يزال يواصل رفضه الخضوع للعلاج.

وتضيف مولر: "إنه يصف شعوره بالاكتئاب بأنه"فترة ضعف". وحتى يتغير هذا ، لن أعود إليه".
 

دوروثيا مولر الاكتئاب