الجمعة 21 سبتمبر 2018 م - 10 محرّم 1440 هـ
  • بنك مصر
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

قصة قصيرة... ليل الدرويش

قصة قصيرة... ليل الدرويش
2013-11-12 15:50:17

تسربلت بخيوط الرجاء فى ركن قصيٍّ على أعتابها، ترتل فى خفوت سورة الفاتحة .. ثم مسحت بباطن يديها رأسها ووجنتيها، بأكنان أولياء الله الصالحين تعلقت .. تبث لوعتها تلقى إليها سلة فارغة بآمال راكدة؛ ربما تعيدها  إليها  مليئة بالبشائر تبسط لها أكف الدعاء فى هوادة: جئت إليك يا طاهرة .. وقفت على بابك لا تردينى خائبة .. اجبرى كسرى واشفعيلى عند ربنا يهدينى ويرزقنى زوجًا صالحًا!!

أدخلت أصابعها بين كوات بابها الأرابيسك، وتشبثت بفرجاته متوسلة ببركة هذا المكان، ثم ملَّست عليها برفق ومسَّدت جسدها  لتحتويها  نفحاته السخيَّة بطيب المسك الأذفر فتشملها من سَاسِها لرأسها..

هكذا رأت والدتها عندما كانت تزور أولياء الله الصالحين، كذلك رأت والدتها «جدتها»..

اتجهت إلى  الصندوق القابع هناك المسمى بـ»صندوق النذور» لتلقى بداخله وهبتها لأم العواجز مرفقة بورقة مطوية عليها طلبها..

كان المكان مكتظًّا بأصحاب حوائج اختلطت أدعيتهم التى اختلفت باختلاف أصحابها، فلم تقتصر على طبقة محددة؛ فهناك الفقراء، وهناك ميسورى الحال «المتعلمين والجهلة»؛ لكنها تشابهت فقط فى كلمة واحدة (يا نفيسة)..

كل ليلة تتراءى لها أشباح العنوسة .. ترفرف حولها بأجنحة اليأس .. تدعوها لرحلة أبدية لأرض الانزواء القاحلة؛ فتسكب دمعها فى بوتقة الشجن إلى أن يختطفها وَسن.

وفى الصباح تلقى بنفسها فى المقام لترتاح روحها البائسة، تقربت إليها إحدى السيدات بعد أن لاحظت تواجدها الدائم،وعرَّفت نفسها إليها قائلة:

أنا الشريفة الشيخة فايزة، معالجة روحانية، أخذت السر مباشرة من السيدة نفيسة فى المنام؛ لقد اصطفتنى من دون مريدين كُثر وجعلتنى من خاصة الخاصة.

انبهرت بها وفى ذيلها التصقت بعد أن وعدتها بأنها ستزكيها فى الاجتماع السنوى لليلة القدر الذى يحضره أهل التصريف (السيدة زينب، والسيدة نفيسة، والسيد البدوي، وإبراهيم الدسوقي، والشاذلي)؛ لينظروا فى شكاوى الناس ويبحثوا حلها، وسيكون هناك الروحانيون والملائكة والجن الكُمَّل وستخبرهم بمشكلتها لتتزوج. 

شاهدت طقوسًا غريبة فى الجلسات التى كانت تحضرها: حركات مترنحة دؤوبة للرأس يمينًا وشمالًا مصحوبة بذكر، وأحيانًا يكتفون بذكر أسماء الله بأعداد محددة، يتفوهون بأشعار أغلبها غزل وعشق فى أنثى، حاولت التأقلم ومحاكاتهم فيما يفعلون؛ فتتمايل ناصيتها بحركات هستيرية إلى أن تفقد الوعي.

وفى طريق العودة لمنزلهاتترجل، ومع كل خطوة تطؤها قدمها تطحن حبات القلق أسفل قدمها؛ فأملها أصبح قريبًا، تُمنِّى نفسَها بالعُرس البهي، تختزل فرحتها بخيالها بابتسامة وادعة، تحتضن نفسها بذراعيها، ترنِّم بعض  الهمهمات الملَحَّنة؛ فلقد التزمت وقدمت فروض  الولاء، اعتقد المقبلين من المارة أنها جُنَّت ونعتوها بـ»المجذوبة»، ونسجوا حولها الأساطير وألصقوا بها بعض الكرامات؛ فباتت فى عيونهم كالقديسة .. فلا  مساس بتلك «الدرويشة»..

ليلة قدر تلو الأخرى مرت ولازالت تحلم بالبتِّ فى أمرها..

خلف طيات السنين جلست تنادم الانتظار.. 

أُضيفت في: 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2013 الموافق 8 محرّم 1435
منذ: 4 سنوات, 10 شهور, 8 أيام, 16 ساعات, 59 دقائق, 4 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

158953
CIB
صحفي
جميع الحقوق محفوظة ©2018