أسماء إبراهيم
بطول العمارة الحديثة التي تشق شارع سوريا بالمهندسين .. يحتل العلم المصري واجهتها ، تلتقطه عين الرائي دون جهد ، اعلان عن الذات في صخب محبب ، وصبغة وطنية اُستُـحـدِثـت الحاجة لها تزامناً مع أحداث الاحباط الكروي قبل فترة ودعماً للروح الوطنية وتحفيزاً لها .. العلم الممتد بعد أن طار منه نـــســره الـحــامـي تتلاصق ألوانه الثلاث في استطالة الأدوار الثمانية للبناية ..
ثلاثية الألوان الوطنية تتسيَّد المشهد ، تتقافز من رايات التشجيع إلى قبعات الشباب في استاد القاهرة ومن حظاظات أياديهم وسواعدهم إلى خدود البنات وصولاً إلى صدور الممثلات اللاتي استغللن العلم كوشم مؤقت عشية مباراة مصر النهائية في كأس الأمم الإفريقية الأخيرة ، شوارع القاهرة تمتلئ بالمحتفلات بالنصر ممن حرصن على أن تكون ملابسهن بالألوان الثلاث ، حتى اللاتي ارتدين الحجاب حرصن على ارتدائه طبقات بهذه الألوان : أبيض وأسود والأحمر معهما ، وهي ألوان رقعة العلامات التي مُـنِـحـت للضباط المشاركين في الثورة ليكون أول ظهور للعلم ثلاثي الألوان والمعروف بعلم التحرير في احتفالات الثورة بمناسبة مرور ستة أشهر على قيامها حين أرادوا البحث عن شعارٍ أو علمٍ جديد يجمع الأمة حول الثورة ، وبذلك استطاعت ثلاثة آلاف متر من القماش المنسوج بالألوان الثلاثة احتلال واجهات مباني ميدان التحرير في 23 يناير 1953 وتم حينها تأويل تلك الألوان بدلالات معينة فالأحمر رمز للثورة والأبيض رمز لحالة الوعي واليقظة والأسود يرمز إلى عهد الاستبداد قبل الثورة وذلك وفق تصريح واضع برنامج الاحتفال بذكرى قيام الثورة للصحف آنذاك .
الهلال والنجمة
مراوحة ما بين الهلال و النجمة ومضاعفاتهما عايشتها الراية المصرية قبل أن يُستَـقَـر على شكلها الحالي ، فكان أول علم لمصر في التاريخ الحديث هو علم الدولة العثمانية والتي أصبحت مصر ولاية تابعة لها عام 1517 وقد صادفت هذه الراية الحمراء بهلالها ونجمتها الأبيضين هوىً في نفس محمد علي ، وناسبت حمرتها القانية طموح الباشا وتطلعه لإنشاء دولة ملكه في مصر ، فلم يجد غضاضة في اعتبار مصر نجمة غرَّاء على جبين الدولة العثمانية وهلالها الذي يزود عن الباب العالي في حروبه مع غيره من الأمم وبذلك ظلت تلك الراية هي العلم الرسمي لمصر في الفترة ما بين 1826 وحتى 1867 .
تمر الأيام ويتغير العلم وتتضاعف نجومه وأهلَّــته إلى ثلاث أهلة وثلاثة نجوم على نفس الأرضية الحمراء ، عاكسة قوة مصر المتنامية في الفترة ما بين 1867 و 1881 بدايةً من حكم الخديوي إسماعيل حيث لم تعد مصر راغبة في الاكتفاء بدور التابع للباب العالي ، ولكن دولة لها تطلُّعها للاستقلال والتغريد خارج السرب العثماني وهو ما حاول إسماعيل الحصول عليه بموجب الفرمان الشامل 1873 والذي منحه حق التصرف بحرية تامة في الشئون الداخلية للدولة فشهد حكمه ميلاد قناة السويس واصلاح ميناء الإسكندرية وانشاء مجلس شورى النواب وبناء دار الكتب ودار المعلمين والمدرسة السنية ( أول مدرسة لتعليم الفتيات ) وتشييد قصور عابدين والقبة ورأس التين ودار الأوبرا والجمعية الجغرافية وزيادة الأراضي الزراعية وشق الترع واستخدام البرق والبريد وتطوير السكك الحديدية ، بيد أن الأهلة الثلاث ونظيراتها من النجوم تتراجع وتتقلص عدداً وذلك بين عامي 1881 وحتى 1914 لتعود رايتنا كما كانت بهلال ونجمة وحيدين على نفس الخلفية الحمراء في ظل حكم الخديوي توفيق الذي طالب بالتدخل الإنجليزي لمواجهة الثورة العرابية ليُـدخِـل بذلك الاحتلال البريطاني لمصر ولتفقد مصر في عهده حكم سودانها الشقيق ، ومن بعده الخديوي عباس حلمي الثاني الذي وإن عُـرِف عنه معاداته للإنجليز إلا أنه لم يُـوفَّـق في رهانه على الباب العالي وبذلك يخسر العلم بعض نجومه وأهلته .
وبتولي السلطان حسين كامل الحكم وتحول مصر لسلطنة عام 1914 تعود الأهلة الثلاث والنجوم الثلاثية تفترش الراية الحمراء ما بين عامي 1914 و 1922 ، وبمقتضى تصريح 28 فبراير سنة 1922 والذي حصلت به مصر على استقلال جزئي أصبح لمصر علم جديد لتصير الراية المصرية بهلال واحد وثلاثة نجوم بيضاء على أرضية حمراء وذلك لفترة وجيزة امتدت لشهور قصار من عام 1923 كرد فعلٍ وكتجسيـدٍ لسيادة مصر الوليدة والمتجسدة بالأمر الملكي بصدور دستور 1923 .
مين زيك عندي يا خضرة ؟
ولا يلبث أن يغيِّـر علمنا الأحمر الثوري لونه ليلائم شخصية مصر الحقيقية التي عرفت بأنها خــضـرة ومحروسة وبهية لتصير رايتنا خضراء مع بقاء هلالها الوحيد ونجماته الثلاث البيضاء كدلالة على اكتمال الشخصية المصرية واختمار الروح القومية لتصير تلك الراية هي علمنا الوطني في الفترة ما بين 1923 و 1958 وهو العلم الذي استقبل به المصريون سعد زغلول عند عودته من منفاه الثاني عام 1923 وهو ذات العلم الذي رفعه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر فوق مقر رئاسة هيئة قناة السويس بعد رحيل آخر جندي بريطاني عن أرض مصر من القاعدة البريطانية في القناة في بور سعيد في 18 يونيو 1956 .
وبعدها بعامين وبقيام الجمهورية العربية المتحدة في فبراير 1958 يتغير العلم الأخضر ليحل محله علم التحرير بألوانه الثلاث تتوسطه نجمتان خضراوتان رمزاً لمصر وسوريا ، وبرغم انتهاء الوحدة في 28 سبتمبر 1961 ظل العلم كما هو بألوانه الثلاث ونجمتيه الخضر دون تعديل حتى 1971 ليتغير شكل العلم جزئياً في الفترة ما بين عامي 1971 و 1984 حين يتم استبدال النجمتين بصقر قريش الذي ظل يحرس العلم حتى عام 1984 حتى حل محله النسر منذ وقتها وحتى الآن .
أيتها الراية .. كم من الآثام ترتكب باسمك ؟!!
علمنا الحبيب .. أول راية تُـرفع في تاريخ البشرية حين قام مينا نارمر في عام 3200 ق . م برفعها في حروبه ليعرف جنوده موقعه في المعركة .. تلك الـرايــة التي يلف بها جثمان الشهيد ويتم القسم تحتها كل صباح في طابور المدرسة كفل القانون المنظم للعلم رقم 12 لسنة 1958 حمايتها فأوجب حفظ العلم الذي تم استخدامه كرفات شهيد في مكان آمن وبطريقة آمنة وحظر استخدامه كديكور لمنصات الخطابة في الاحتفالات فما بال استخدامه كديكور لموائد الحوار التليفزيونية ومقاعدها ؟ وأي مخالفة قانونية مارسها اللاعب الذي تحــزَّم بعلم مصر في غمرة فرحته بالنصر ؟!!
خارج الاستاد يباع علم مصر صنع الصين التي تنجح كعادتها في قراءة الشعب المصري وفهم احتياجاته فتضخ في السوق المصري أعلاماً مصرية صينية الصنع بدون نــســرها ليشجع بها الجمهور منتخبه ويهتف له .. هدير الجماهير يزداد بهتافات الألتراس وعيون محدقة فوق أعناق مشرئبة فلا تعلم هل تتابع المبارة على شاشات العرض العملاقة أم تُـراهـا تبحث في سماء الملعب وفضائه عن نسـر الراية الحامي الذي طـار