داعية سلفي: «محمد علي» كان رئيسا توافقيا ولكن سلم مصر إلي المشروع العلماني الغربي
د. راغب السرجاني: الوقت فرصة للإسلاميين لاقتناص الحكم ولن تعوض
نموذج «حماس وفتح» يحسم خطة الإخوان للسيطرة علي الحكم
تصريحات الدكتور محمد بديع، المرشد العام للإخوان المسلمين، حول الموقف الذي ستتخذه الجماعة وحزبها "الحرية والعدالة" بشأن انتخابات رئاسة الجمهورية، ورفضها أي مرشح إسلامي للمنصب، وأنها تريد شخصية توافقية علي غرار ما يحدث بين فتح وحماس الآن في فلسطين، تصريحات خطيرة بالنظر إلي العديد من الأبعاد، وليس أدل علي خطورتها من ردود الفعل السريعة التي تتابعت عليها علي الرغم من انشغال كل مكونات الحركة الإسلامية في مصر هذه الأيام بذكري الثورة وجلسات البرلمان الأولي وغيرها من القضايا الكبري في البلاد.
ففي زحمة الأحداث تحدث الدكتور بديع في لقاء تليفزيوني عن رؤيته لمواصفات رئيس مصر المنتظر، متمنيا "ألا يترشح أحد محسوب علي التيار الإسلامي حرصًا علي مصلحة مصر" ـ علي حد قوله ـ التي صارت "تحت المجهر" بحيث لو تقدم إسلامي فإن ذلك سيتسبب في "استهداف مصر فيما ينتظر لها في المستقبل"، من قبل المتربصين بها في الداخل والخارج، كما حدث مع حماس في غزة.
ولذلك فهو يفضل رئيسًا توافقيا، ثم ضرب مثلاً يدلل به علي صحة ما قال يتمثل في عودة حركتي "فتح" و"حماس" معًا تطالب كل منهما برئيس توافقي من خارج الحركتين، وذلك بعد أعوام من الصراع بينهما والتنافس علي المناصب حتي تأكد من خلال الضغوط التي مورست علي حماس أنه لا يصلح إلا رئيس توافقي.
حقيقة هذه التصريحات تحتاج النظر إليها من أكثر من زاوية، أهمها:
إلي أي مدي يمكن أن تمثل هذه التصريحات الموقف الرسمي النهائي للإخوان المسلمين؟
و مدي واقعية ما قاله المرشد العام خاصة مسألة الضغوط الأجنبية ومدي صحة المثال الذي ساقه للتدليل علي رؤيته.
ثالثا مردودها علي جماعات العمل الإسلامي والشباب الإسلامي والشارع المتدين في مصر باعتبار هؤلاء هم المعنيون بها في المقام الأول.
ولكن ما زال يصعب علي أي متابع دقيق الجزم بأن ما قاله مرشد الإخوان هو بالفعل الموقف الرسمي النهائي لأكبر جماعة إسلامية في مصر منخرطة في العمل السياسي، ذلك أنه من الوارد جدًا أن تكون خرجت في سياق من التطمين أو الرسائل التي يطيب إرسالها الآن إلي الداخل والخارج، خاصة وأن الجماعة لم تستقر حتي الآن علي شخصية بعينها. وقد تكون أيضًا وجهة نظر واجتهاد من المرشد لم يتبلور بينه وبين قيادات الجماعة.
لكن وبالنظر إلي موقع المرشد العام من الجماعة يصعب التسليم بأن مثل هذه التصريحات خرجت هكذا دون أن يكون ـ علي الأقل ـ سبقها نقاشات داخلية بين صانعي القرار السياسي في الإخوان. ومما يعزز ذلك تأكيد القيادي بحزب "الحرية والعدالة" الدكتورمحمد البلتاجي لها، معتبرًا عدم دعم أي شخصية إسلامية قرار "محسوم" للإخوان، "لأن شعارنا هو المشاركة لا المغالبة"، ضمن تصريحات له.. إلا أنه وعلي الرغم من كل ذلك يبقي الحكم بأن هذه التصريحات تمثل الموقف النهائي للإخوان محل نظر حتي تؤكدها شواهد أخري.
أما من حيث النظر إلي مدي واقعية هذه الرؤية التي قدمها المرشد، وهو من هو الآن في مقام المسئولية، خاصة فيما يتعلق بالضغوط الخارجية التي ستمارس علي مصر في حال اختار شعبها رئيسا من التيار الإسلامي. فقد ذكرتني حقيقة تصريحات الدكتور محمد بديع بما سبق وقاله الدكتور مصطفي الفقي في عهد المخلوع مبارك، فبينما كان يجري الإعداد لتوريث جمال مبارك حكم مصر علي قدم وساق، خرج الفقي ليقول: إن رئيس مصر القادم لابد وأن يأتي بموافقة أمريكا وعدم اعتراض إسرائيل، كان ذلك في سياق كلامه خلال مقابلة صحفية سُئل فيها الفقي: "هل أمريكا وإسرائيل ستشاركان في اختيار الرئيس؟ فأجاب: "لن يشاركوا، ولكن سيفتحون الأبواب أو يغلقونها".
ووقتها قامت الدنيا ولم تقعد، مستنكرة ما قاله رئيس لجنة الشئون الخارجية بالبرلمان السابق، ثم انبري الكتاب والمثقفون يردون عليه حتي اضطر (الفقي) إلي أن ينفي ما قاله عدة مرات، دون أن يشفع له ذلك ثم ها نحن نفاجأ بعد هذه الثورة المباركة وما قدمه الشعب من تضحيات بالمرشد العام للإخوان المسلمين! يعيد إنتاج نفس الكلام وإن كان بإخراج مختلف عن إخراج الفقي، كأننا لم نخرج في ثورة لتغيير تلك الأوضاع التي كنا فيها ألعوبة في يد الشرق والغرب.
ممارسات خارجية
ثمة وجه للشبه بين ما مورس من ضغوط من قبل أمريكا وحلفاء إسرائيل علي حكومة حماس في غزة وما يمكن أن يحدث في مصر، الأمر تمامًا مختلف، فالحصار الذي ضُرب علي غزة لا تقوي علي فرضه علي مصر أي قوة كائنة من كانت في العالم، وذلك لأسباب عديدة، أقلها كون إسرائيل نفسها علي حدودك، ومن مصلحة أمريكا والقوي الحليفة لها أن تظل حدود مصر البحرية والجوية والبرية مفتوحة مع العالم كله علي مصراعيها بل وآمنة.
أما بشأن قطع العلاقات مع الحكومة المصرية فهذا أمر أبعد من الخيال نفسه لأن إسرائيل والداعمين لها في المجتمع الدولي يعلمون تمام العلم وزن مصر الاستراتيجي ليس في العالم العربي والإسلامي ومنطقة الشرق الأوسط فقط بل في العالم كله، وموقعها الجغرافي، وقدراتها العسكرية والبشرية والممرات البحرية التي تشرف عليها، أكبر شاهد علي استحالة عزلها، هذا فضلا عن المصالح التي تحرص عليها هذه القوي من خلال ديمومة العلاقات الطيبة بينهم وبين حكومة القاهرة.
أما من حيث مردود ما قاله مرشد الإخوان داخليا ـ وفي حال تأكد أن تصريحات الدكتور بديع هي الموقف الذي ستتبناه الجماعة بالفعل، وأنها لم تكن مجرد تصريحات عابرة ـ فلن يكون هينًا علي الإطلاق، خاصة أن الإسلاميين علي تعدد انتماءاتهم وجماعاتهم وأحزابهم سوف تكون لهم وقفات ووقفات لرفض مثل هذه التصريحات، بمن فيهم الإخوان المسلمون أنفسهم، كما أنها حتما ستواجه برفض غير مسبوق من قبل الشارع الإسلامي، ذلك لأن أعلي منصب في الدولة لطالما حلمت الشريحة الكبري من أبناء الحركة الإسلامية باليوم الذي تري فيه يتبوأ هذا المنصب واحد من أصحاب الدين، أي أن يكون رئيسًا متدينًا، يعرف الحلال من الحرام، وعالم بأوامر الشرع ونواهيه.. فكيف يكون الحال وهم الآن باتوا يرون أنه لم يعد مانعًا بينهم وبين ما عاشوا يحلمون به وأن القدرة علي ذلك ـ بفضل الله ـ متوفرة بغض النظر عن حسابات هذا الطرف أو ذاك.
ردود فعل غاضبة
ولعل موقفًا سياسيا ودينيا بهذا الحجم كان ينبغي علي الدكتور بديع ألا يتسرع في الإفصاح عنه منفردًا بهذا الشكل، قبل أن يأخذ وقته وحجمه من النقاشات داخل الجماعة، ومع القوي الإسلامية الأخري، بل كان الأولي له أن يتريث حتي يتسني له إدارة نقاش جاد حوله، لأن قرارًا كهذا لا يهم بديع وحده، ولا يهم الإخوان وحدهم، بل يهم الغالبية المسلمة من المصريين علي تعدد جماعاتهم وانتماءاتهم، فلا يتوقع بأي حال أن تمر مثل هذه التصريحات علي القاعدة العريضة من الشباب الإسلامي علي تعدد انتماءاتهم فضلا عن القوي والجماعات الكبيرة مرور الكرام بل سيكون لهم ردود وردود.
أحدث ردات الفعل علي موقف الدكتور بديع، جاءت من قبل مجموعة من شباب الإخوان المسلمين دشنوا صفحة لهم علي "فيس بوك" تحت عنوان "أنا إخوان وهانتخب مرشح إسلامي".
رئيس توافقي
ولم يكن شباب الإخوان وحدهم من بادروا بردودهم، ففي تعليق له علي تصريحات المرشد كتب الداعية السلفي الشيخ أحمد السيسي، تحت عنوان "رئيس توافقي أو رئيس إسلامي"، يقول: "في مثل هذه الظروف اتفقت كلمة الأطياف المصرية المختلفة علي اختيار حاكم توافقي لمصر فكان "محمد علي باشا" وأعطاهم الرجل العهود والمواثيق علي ألا يقطع أمر دون الرجوع إلي ممثلي الشعب، وحين استتب له الأمر بدأ بالعلماء فعزل الشيخ عبد الله الشرقاوي، شيخ الأزهر، ونفي الشيخ عمر مكرم إلي دمياط ، وحين خلا له الجو التفت بعد ذلك إلي قوي الثورة المتمثلة في المماليك، فدبر لهم مذبحة خسيسة عرفت باسم مذبحة القلعة، أباد فيها خضراءهم وتعقب ابنه إبراهيم باشا بقية فلول المعارضة تقتيلاً وتشريدًا، حتي فر الباقون إلي بلاد السودان، وخلا الجو للرئيس التوافقي وسلم مصر إلي المشروع العلماني الغربي".
أما الدكتور راغب السرجاني فعلق قائلا: "درست التاريخ لـ25 سنة مضت من أجل هذه اللحظات التاريخية، وأقول ….فرصة اقتناص الحكم للإسلام لا تعوض، ولا تدرج فيها، والتاريخ شاهد علي هذا، والأحداث تنقلب رأسًا علي عقب في يوم وليلة… إنما التدرج في التشريع وفي تطبيق الأحكام، ولا تدرج في اقتناص الحكم لأهل الإسلام عبر التاريخ…. وهذه الفرصة إذا ذهبت لن تعوض".