بعد قيام ثورة 25 يناير فقد الجميع شرعيته، وأصبحت الشرعية الوحيدة لميدان التحرير الذي انطلقت منه الشرارة الأولي للثورة، وظل صمام الأمان لها علي مر الشهور الماضية، حيث كان يتم اللجوء إليه في حال التباطؤ في اتخاذ القرارات، أو الاستجابة لمطالب الثورة والثوار، وكثيرًا مانجح الضغط من خلال الميدان في تحقيق الكثير من المطالب.
بعد انتهاء انتخابات مجلس الشعب التي أفرزت برلمان اكتسب شرعيته من خلال الشعب، وأصبح من المفترض أن توكل إليه مسئولية سن القوانين، ودراسة المطالب، والبحث عن حلول سريعة لكافة المشاكل التي تواجه البلاد خلال المرحلة الحالية، إلا أنه من الواضح ان الميدان سيظل ينازعه هذه الشرعية، وهو الأمر الذي ستحسمه الأيام القليلة القادمة بحسب آراء الخبراء والسياسيين.
يقول صالح حسب الله المحامي والمستشار القانوني لحركة إستقلال جامعة عين شمس، والناشط السياسي، أنه في غياب الدستور لابد أن يظهر ميدان التحرير علي الساحة السياسية، وأن لا يتم تهميش دوره، بعد اختيار أعضاء مجلس الشعب، مشيرًا إلي أن دور ميدان التحرير هو رسم شكل الدولة من خلال كافة الأطياف والتيارات السياسية والدينية والحزبية المختلفة، وعدم اختزاله علي فصيل واحد، أو جماعة أو حزب، بينما دور مجلس الشعب والشوري هو وضع القوانين في ظل ذلك الرسم الذي خططه ووضعه الشعب، وهو ما يعبر عنه ويفترض أن يمثله بالدستور القادم.
وأوضح حسب الله أن وضع الدستور تختص به لجنة تأسيسية تضم جميع أطياف الشعب وبالتالي فينبغي أن تكون من ميدان التحرير وبموافقة ومباركة الثوار بالميدان، والإقرار عليها من جميع التيارات والأحزاب، حتي لا يحدث انقسامات واختلافات، وحتي يمثل الدستور كل أطياف الشعب، لافتًا إلي أنه وارد في ظل الديمقراطية التي تشهدها البلاد، وخاصة الديمقراطية الانتخابية أن تأتي الانتخابات البرلمانية المقبلة بفصيل لا يمثل الأغلبية الموجودة حاليا، فإذا لم يتوافق علي الدستور الجميع فإنه وارد في حال تمثيل أغلبية بالبرلمان المقبل إذا كانت غير الحالية أن تدعو إلي تشكيل لجنة تأسيسية جديدة ودستور جديد ونصبح كل دورة برلمانية بدستور جديد وذلك يفترض أن تكون اختصاصات البرلمان عموما سواء مجلس الشعب أو الشوري ليس وضع الدستور.
وأضاف المستشار القانوني لحركة استقلال جامعة عين شمس كما أن ميدان التحرير بما إكتسب من شرعية يعتبر هو الرقيب الأساسي علي السلطات الثلاث الرئيسية بالدولة علي الأقل حتي وضع دستور يرسم شكل الدولة لما يحقق مكتسبات الثورة ومن ثم يبدأ مجلس الشعب والشوري القيام بمهامه المنوط بها.
في السياق ذاته يري القيادي الإخواني الدكتور محمد البلتاجي أنه لايوجد تناقض بين الميدان والبرلمان لأن الميدان هو صاحب الفضل في الوصول للبرلمان وهو صاحب الفضل في انجازات المرحلة الحالية وهذا لا يعني أن يكون الميدان في مواجهة البرلمان، مشيرًا إلي أنه يشعر الآن بكلمة مجلس الشعب لأن الشعب هو من اختار البرلمان الحالي بإرادته وبرغبته.
وأضاف القيادي الإخواني أن حق التظاهر والاعتصام السلمي من أعظم انجازات الثورة التي استطاعت أن تشعرنا بهذا التغيير الجذري والتي اتسمت بسلميتها التي أبهرت العالم أجمع ، مشددًا علي أن دماء الشهداء ومحاكمة قاتلي الشعب لن تكون في طي النسيان، لأن مهمة البرلمان الأولي هي التعبير عن احتياجات الوطن.
وأوضح البلتاجي أن المجلس بعدما يستلم صلاحيات رسمية تشريعية أو رقابية من المجلس العسكري وهي الخطوة الأولي لنقل السلطة ، في هذا الوقت سيكون البرلمان قادرا علي ترجمة مطالب الثورة إلي إجراءات وسيكون هو المتعامل مع محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية وبذلك نجح الميدان للوصول إلي هذا الانجاز العظيم والذي نأمل أن يعبر عن ميادين مصر كلها وفي كل المجالات دون اللجوء للمظاهرات لأن هذه الأشياء ستكون حق أصيل للمجلس.
من جانبه قال الباحث السياسي جمال الملاح إن مشروعية الميدان ستستمر وسيظل موازيا للبرلمان الجديد، مشددًا علي ضرورة وضع دستور توافقي، وذلك تجنبًا للصدامات التي من الممكن أن تتم أثناء وضع الدستور ، مشيرًا إلي أنه من الممكن أن تحدث تناقضات في الرؤي بين الميدان والبرلمان خلال المرحلة القادمة، لافتًا إلي أن العديد من القوي التي لم تستطع التواجد داخل البرلمان من الممكن أن تلجأ إلي الميدان في حال تجاهلها.
في سياق متصل قال أحمد ماهر، المنسق العام لحركة 6 أبريل إن الأيام القادمة ستكون اختباراً حقيقياً من أجل تحقيق مطالب الثورة العالقة منذ 11 فبراير 2011، وهذا الاختبار سيحدد شكل العلاقة بين "ميدان التحرير" و"البرلمان"، مشيرًا إلي أن الجميع ينتظر أداء نواب "الثورة" الذين نجحوا في الانتخابات في تمرير بعض القوانين المتعلقة بالحريات والشئون الاقتصادية.
وأوضح ماهر أن شباب الثورة في انتظار قرارات عاجلة ومواقف حاسمة، بوقف العمل بقانون الطوارئ، وإلغاء تحويل المدنيين إلي المحاكم العسكرية والاستثنائية، والإفراج عن النشطاء الذين يحاكمون أمام المحكمة العسكرية، وإصدار قانون انتخابات الرئاسة، وتعديل القوانين المنظمة لعمل الإعلام في مصر بما يسمح بحرية حقيقية للإعلام، ومراجعة المواقف الحالية للصناديق الخاصة بجميع الوزارات.