وزارة التخطيط اغتالت الزراعة

2015-12-29 18:22:32
شعبان خليفة

ماذا يحدث فى وزارة الزراعة؟ وهل حقاً هى قادرة على استصلاح ملايين الأفدنة التى يسعى النظام الحالى لاستصلاحها؟ وهل يمكن تحقيق الاكتفاء الذاتى من المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والسكر والفول وتوفير عشرات المليارات من الدولارات قيمة الواردات من هذه السلع والتى تصيب الميزان التجارى لمصر فى مقتل؟
ما علاقة وزارة الزراعة بالوجبة المدرسية وما نتائج تخفيض ميزانية الوزارة على مستقبل الزراعة فى مصر؟
هذه الاسئلة المهمةa وغيرها عن الزراعة والفساد.. هى محور هذا الحوار لـ «النهار» مع  الدكتور أحمد حسنى غنيمة الوكيل السابق لمعهد البحوث الزراعية، الرجل الذى عمل مستشاراً لوزارة  الزراعة فى ازهى عصورها، فضلاً عن أنه صاحب عشرات الدراسات حول كيفية الوصول للاكتفاء الذاتى من المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والذرة والفول والسكر؟ وصاحب أبرز دراسة تحذيرية من وصول انتاج مصر من القطن إلى الصفر وهى دراسة سنتناولها لاحقاً فى موضوع مستقل.. فاصيل الحوار فى السطور التالية:

 

 نريد فى البداية فى عدة نقاط أن نحدد أبرز مشاكل الزراعة فى مصر؟
** مشاكل وزارة الزراعة عديدة منها تعيين قيادات ليس لها سابق خبرة فى مجال الزراعة بما فى ذلك وزراء وبعضهم بحكم تخصصه قضى حياته فى المعامل ولا علاقة له بالعمل الميدانى، وقد ترتب على هذا كوارث عديدة حيث تم انهاء دور وزارة الزراعة فى مجال استصلاح الاراضى تماما وذلك عبر القضاء على شركات استصلاح الاراضى التابعة لها بل عدم الاستفادة من أهم مركزين فى هذا المجال هما مركز البحوث الزراعية ومركز بحوث الصحراء المتخصص فى مجال استصلاح الاراضى وتم اعطاء دورهما لوزارة الرى.
 كيف انتهى دور وزارة الزراعة فى استصلاح الاراضى وهناك كل يوم تصريحات عن مساحات مستصلحة بمئات الآلاف من الأفدنة؟
 * كل التصريحات عن استصلاح اراض جديدة كذب وللاستهلاك الإعلامى فمنذ عشرين عاما لم تقم وزارة الزراعة واستصلاح الاراضى باستصلاح فدان واحد، ومنذ رحيل يوسف والى لم يهتم أى وزير باستصلاح الاراضى بل فقدت مصر بالتجريف والبناء مساحات زراعية كبيرة... ولعل الأمر بدأ يختلف مع تولى الرئيس السيسى حيث بدأ يعيد القضية للواجهة لكن هناك كارثة كيف ستقوم وزارة الزراعة بدورها وقد تم تخفيض ميزانيتها بنسبة 68% مرة واحدة ؟ ولك أن تعلم أن استنباط صنف جديد يتكلف مليون جنيه وبعد هذا التخفيض لا مجال لاستنباط اصناف ولا لتمويل حملات قومية لمحاصيل استراتيجية. إن قرار تخفيض الميزانية من جانب وزارة التخطيط تم دون علم أو دراية بمكونات القطاع الزراعى واحتياجاته ما بمثل عملية اغتيال للزراعة وسيدمر عشرات المشروعات الحالية والمستقبلية.
كما أن الوزارة التى تعانى من سوء اختيار القيادات فإنها تعانى من دخولها فى مجالات لا تخصها مثل التغذية المدرسية التى كان يجب اسنادها لجهاز متخصص تحت اشراف متخصصين لأن وزارة الزراعة ليس هذا مجالها على الاطلاق..وذلك بدلاً من اهتمامها بالمحاصيل الاستراتيجية لتحقيق الاكتفاء الذاتى منها.
•بمناسبة المحاصيل الاستراتيجية.. تعد مصر من أكبر الدول المستوردة للقمح .. فهل يمكن تحقيق الاكتفاء الذاتى؟
**موضوع القمح موضوع مهم ويمثل عبئا كبيرا على الميزان التجارى المصرى ويتم استخدامه كثيراً كورقة ضغط استراتيجية على مصر حيث يبلغ الاستهلاك السنوى لمصر من القمح ما يزيد على 14 مليون طن ننتج منها حوالى 8 ملايين طن بما يعنى فجوة بين الصادرات والواردات بنسبة تزيد على 40%، وهنالك استهلاك متزايد من القمح يجب العمل على مواجهته بزيادة المساحة المزروعة منه وبالتوسع الرأسى من خلال زيادة انتاجية الفدان بما يسهم فى تضييق الفجوة بين الانتاج والاستهلاك، وبالتالى الحد من الواردات وهذا هو المنطقى إنما الحديث عن الاكتفاء الذاتى الكامل فمبالغ فيه ولا يستند لمنطق علمى لأن معنى الاكتفاء الذاتى هو زراعة كل مساحة مصر الزراعية تقريبا بالقمح وهو أمر غير منطقى.. وفى دراسة لى توصلت إلى إمكانية تقليل الواردات بنسبة 30% عبر سياسة زراعية واعية ورشيدة وعبر تقليل الفقد فى الاستهلاك وذلك من خلال زيادة المساحة المزروعة بالقمح  بمقدار 890 ألف فدان وتقليل الفقد الناتج من الاستهلاك الآدمى وغير الآدمى والذى يمثل 11% من اجمالى استهلاك القمح سنويا وهو أمر من شأنه أن يوفر اكثر من 7 مليارات دولار من واردات القمح.
•وماذا عن المحاصيل الاستراتيجية الأخرى كالسكر والفول والذرة؟ 
**نستطيع تحقيق الاكتفاء الذاتى من السكر بما لا يقل عن 98 بالمائة وكذلك تحقيق الاكتفاء من الذرة البيضاء والصفراء والفول، هذا بالإضافة الى أن تقليل واردات القمح بنسبة 30% سوف يوفر لمصر أكثر من 24 مليار دولار.
فبالنسبة للسكر نحن نحتاج فقط إلى زراعة 84 ألفا و395 فداناً ببنجر السكر بمناطق الاستصلاح الجديدة التى يتحدث عنها الرئيس السيسى ويتم إنشاء مصانع جديدة بالإضافة إلى استكمال طاقة المصانع القائمة مع التوسع الرأسى عبر زيادة انتاجية الفدان بزراعة اصناف جديدة عالية الانتاجية مع ضرورة انشاء صندوق لدعم اسعار السكر والتوعية الإعلامية لترشيد استهلاكه لنصل إلى المعدلات العالمية حيث إن استهلاك الفرد المصرى سواء من القمح أو السكر هو الأعلى عالمياً بين كافة دول العالم.
وبالنسبة للفول البلدى فإن التوسع فى زراعته فى الاراضى المستصلحة بمقدار 197 ألفا و541 فداناً مع تعظيم الارشاد الزراعى سيؤدى لتحقيق الاكتفاء الذاتى منه بدلاً من المستورد المعبأ الذى يملأ الاسواق ويكلف الدولة مليارات الدولارات، حيث تستورد مصر فولاً بقيمة 2 مليار و178 مليون دولار، وهذا المبلغ قيمة استيراد 290 ألفا و178 طناً.
وبالنسبة للذرة بصفة عامة فإن مصر تستورد منها ملايين  و339  ألفا و797 طناً بقيمة مالية تتجاوز 14 مليار دولار فإن الاكتفاء الذاتى منها يتطلب التوسع فى زراعتها بما يقدر بمليون و307 آلاف  و168 فداناً وهى تحل محل المحاصيل الشتوية وليس من الصعب توفير هذه المساحات لزراعتها بالذرة.
 •ما أبرز الجهات التى يمكن أن يكون لها دور فى الخطط الطموحة التى تعلن عنها الدولة لاستصلاح ملايين الأفدنة على مراحل؟
** يوجد فى مركز البحوث الزراعية معهد للأراضى ومشروع للاستشعار عن بعد ويتحتم الاستفادة منهما فى اختيار مناطق الاستصلاح المستهدفة، هذا بالطبع إلى جانب اختيار الكفاءات المناسبة لهذه المهمة لا الاستعانة بعناصر بعيدة عن هذا المجال فضلاً عن كونها موصومة بالفساد.  
 • هل أنت قلق من المذبحة التى تمت فى ميزانية وزارة الزراعة لعام 2015/  2016 وانعكاسها على قطاع الزراعة خاصة مجال البحوث؟
للأسف ميزانية وزارة الزراعة التى وضعتها وزارة التخطيط  للعام 2015 توضح انخفاضا كبيرا فى ميزانيات البحوث الزراعية والصحراء وتنمية الثروة السمكية وقطاع استصلاح الأراضى والخدمات البيطرية، فقد انخفضت ميزانية البحوث بمركز البحوث الزراعية من 69 مليونا إلى 20 مليون جنيه، بينما تم تخفيض ميزانية مركز بحوث الصحراء إلى 13 مليون جنيه بدلا من 32 مليون جنيه.
رغم أن البحوث التى قام بها مركز البحوث الزراعية ساهمت فى زيادة إنتاجية المحاصيل بصفة عامة، حيث زادت انتاجية الفدان من القمح من 9.03 إردب للفدان عام 1980 إلى 18 إردبا عام 2010 وزادت انتاجية الارز من 2.4 طن للفدان إلى4.03 طن فى حين زادت إنتاجية الذرة الشامية من 13.17 إردب للفدان إلى 24 إردباً وحقق قصب السكر زيادة من 34 طناً للفدان إلى 49 طنا بالإضافة إلى ما تحقق من زيادة فى إنتاجية مختلف المحاصيل خاصة  الفاكهة والخضر، واشير هنا إلى الدراسة التى قامت بتقييم دور الزراعة فى الزياة الإنتاجية لأهم المحاصيل الزراعية خلال الفترة السابقة حيث تحققت زيادة تراكمية خلال الفترة 1980 -2009 من القمح بلغت 570 مليون إردب والأرز الصيفى 93.7 مليون طن والذرة الشامية إلى 626 مليون إردب والذرة الرفيعة الصيفى 118 مليون إردب والشعير 37 مليون إردب، أما المحاصيل السكرية فقد حققت زيادة بالنسبة للقصب 296 مليون طن وبنجر السكر 38.5 مليون طن والفول السودانى 31 مليون إردب ولا يستطيع أحد أن ينكر دور مركز البحوث الزراعية الذى يعمل حباً فى مصر وشعبها العظيم بالرغم من تخفيض ميزانية البحوث إلى نحو 20% وعدم صرف مستحقات الباحثين أسوة بالجامعات.
كما تم تخفيض ميزانية قطاع استصلاح الأراضى من 243 مليون جنيه إلى 200 ألف جنيه، فيما قالت مصادر رسمية بوزارة الزراعة إن عملية التخفيض تشكل إلغاء لأكثر من 15 مشروعا بحثيا لخدمة القطاع الزراعى بمركز البحوث الزراعية، بالاضافة إلى 12 برنامجا بحثيا فى مركز بحوث الصحراء، بالاضافة إلى تهديد برامج جهاز مكافحة الامراض الوبائية التابع لهيئة الخدمات البيطرية.
وقامت الحكومة بتخفيض ميزانية الخدمات البيطرية من 40 مليون جنيه إلى 21 مليون جنيه، والذى ينعكس سلبا على وجود عجز حاد فى توفير الامصال واللقاحات السيادية التى توفرها الهيئة لنحو 9 ملايين رأس ماشية يمتلكها الفلاحون، كاشفاً عن تخفيض الميزانية المخصصة للهيئة إلى اكثر من 5 ملايين جنيه، رغم مطالبة رئيس الهيئة برفعها من 10 ملايين إلى 100 مليون للوفاء باحتياجاتها من الأمصال واللقاحات.
 وطبقا للميزانية الجديدة لوزارة الزراعة تم تخفيض ميزانية هيئة تنمية الثروة السمكية من 160 مليون جنيه إلى 120 مليون جنيه، وتخفيض ميزانية جهاز تحسين الاراضى من 60 مليون جنيه إلى 20 مليون جنيه، والديوان العام من 436 مليون جنيه إلى 233 مليون جنيه، مما ترتب عليه إلغاء 10 مشروعات تتبع الديوان العام.
ولا شك أن تخفيض الميزانية الاستثمارية لوزارة الزراعة يهدد البرامج البحثية لتطوير انتاجية المحاصيل الزراعية لتقليل الفجوة الغذائية ويشكل تهديدا خطيرا للبحث العلمى ويحول العلماء إلى موظفين، وتخفيض الميزانية خلال العام المالى الحالى 2015- 2016 من شأنه التأثير على تنفيذ مشروع المليون فدان الذى يأتى ضمن خطة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى تنمية مصر.
وماذا عن قضية الفساد المتهم فيها الوزير السابق صلاح هلال وآخرون؟
** هذه قضية منظورة أمام القضاء ولا داعى لأن نتحدث عنها فأمرها متروك للقضاء، وقد تشهد مفاجآت، لكن كل ما يمكن قوله هو أن اختيار صلاح هلال للوزارة كان قراراً غير مدروس ولا داعى لسرد كيف تم هذا الاختيار وما ترتب عليه، خاصة أن الرجل رهن محبسه وليس من الشجاعة مهاجمته فى هذا الوضع حتى يقول القضاء كلمته الأخيرة فى هذه القضية.

 

424710