القاضى الشجاع محمود كامل الرشيدي

2014-12-02 13:37:43
اسامة شرشر

لا شك أن الحكم الذى أصدره محمود الرشيدى ببراءة حسنى مبارك وأولاده، وحبيب العادلى ومساعديه، أحدث زلزالا سياسيا فى مصر، وقلب موازين القوى فى الشارع المصرى والعربي، بين مؤيد ومعارض.. فبعد حكم المستشار أحمد رفعت بالمؤبد على مبارك ورجاله ونظامه وعصره، جاء الرشيدى ليبرئ مبارك ورجاله قانونيا ويحاكمهم سياسيا وشعبيا، قائلا فى مرافعة تاريخية ستدرس للأجيال القادمة إن حكم مبارك شاهدا على فساد وإفساد أصحاب المصالح، دون إحداث هيكلة أو تطوير أو تجديد أو ضخ دماء شبابية جديدة لتحمل المسئولية، فكانت الثورة على هذا النظام وإسقاطه.

كما سن المستشار الرشيدى قواعد قانونية جديدة فى المحاكمات وهى إذاعة المحاكمة على الفضائيات وإرسال التفاصيل، والمرافعات والقرار على سيديهات للصحفيين والإعلاميين، وكأنه يقول للجميع إن من حق الصحفيين الحصول على المعلومات.. وهذه سابقة تحدث لأول مرة فى تاريخ المحاكم والمحاكمات المصرية.

اختارته السماء عبر القرعة الإلكترونية ليخلف المستشار المتقاعد أحمد رفعت، بعد تنحى المستشار مصطفى حسين لاستشعاره الحرج، فى نظر أخطر محاكمة فى تاريخ مصر وهى "محاكمة القرن"، وهى المحاكمة التى تابعها الملايين من خلال قراره الجريء والذى لم يكن أحد غيره يستطيع أن يصدره بإسناد البث المباشر للمحاكمة لقناة خاصة لتتحمل مسئولية بثها كاملة ودون أى اجتزاء لنشر كل التفاصيل حتى تصل الحقيقة للعالم أجمع.. بعد أن كان التليفزيون المصرى يبث أجزاءً مبتورة من المحاكمة ولا يذيعها كاملة، لقد استطاع القاضى الجليل أن يكسب ثقة الجميع وتقديرهم.. إنه المستشار محمود كامل الرشيدى .. 

عرف القاضى الجليل محمود الرشيدى داخل أروقة المحاكم والقاعات بالحسم والقوة والسيطرة على الجلسات دون حدوث حالات من الهرج والمرج، التى اعتادت عليها المحاكم مؤخرًا من المحامين وطرفى الخصومة، كما أن المحامين يدركون مدى قوة الرجل وحسمه ويضطرون إلى الالتزام بقواعد الجلسات، وهو ما بدا جليًا فى جلسة النطق بالحكم فى "محاكمة القرن" التى نظرها السبت الماضى حيث قال بلغة حاسمة قبل نطقه بالحكم إن كل الإيماءات بعد الحكم محظورة ومن يخالف ذلك سيعاقب بالحبس سنة وأن الضباط الموجودين داخل القاعة لديهم تعليمات مشددة بضبط من يحدث هرج ومرج، كما وضحت قوة الرشيدى وعدم رهبته للرأى العام عندما قالها المستشار الجليل واضحة وجلية بأن مبارك قضى قرابة 36 عاما فى خدمة مصر نائبا للرئيس ثم رئيسا للجمهورية فأصاب وأخطأ مثل أى بشر، وأن الحكم لقاضى القضاة الحق العدل الذى سيسأله كحاكم عن رعيته.

ومن الصفات التى يتحلى بها المستشار الرشيدى أنه من القضاة الذين يتمتعون بحس المحقق قبل الحكم الذى يصدره، ومن أشهر القضايا التى نظرها التظلم المقدم من رشيد محمد رشيد، وزير التجارة والصناعة الأسبق، على أمر منعه من التصرف فى أمواله، وقضية قتل المتظاهرين بالمرج المتهم فيها ضباط قسم المرج، والتى راح ضحيتها شهيد و11 مصابًا، والتى قرر التنحى عن نظرها فى يناير الماضى، وذلك لاستشعاره الحرج، كما تنحى عن محاكمة 494 متهمًا فى "أحداث مسجد الفتح" لاستشعاره الحرج.

من أشهر كلمات قاضى القرن خلال المحاكمة: "أنا قريب من القبر وقريبًا سأجلس للحساب أمام الله.. وهذه هى عقيدتى.. لا أريد مدحًا ولا ذمًا.. أنا "حاسس بيكم"، "لدى سلاحان فى هذه القضية، أحدهما هو قلمى الرصاص الذى اعتدت أن أدير به جلساتى، ثم الإعلام، وإذا ما طرأ أى طارئ لا أقبله فى القضية، سأدعو إلى مؤتمر صحفى لنقل الحقيقة للجميع، وسأعود إلى منصتى لمباشرة قضايا العادية".. و"لن نلتفت للصيحات والضوضاء التى تمنعنا من الوصول للحقيقة". ومن اللحظات المؤثرة التى مر بها المستشار الرشيدى خلال المحاكمة عندما أبدى تأثره بكلمات اللواء عدلى فايد فى نهاية مرافعته عن نفسه، وذلك عقب إنهاء المتهم دفاعه عن نفسه بقوله "لا أخشى عقوبة، ولكن أخشى الله وحده، وأذكر نفسى والباقين بأنه من رأى مظلومًا ولم ينصفْه وعلم العدل ولم يحققه فهو فى ظلمات يوم القيامة".

الرشيدى ومحاكمة القرن

بدأت أولى جلسات إعادة المحاكمة أمام محكمة جنايات القاهرة برئاسة المستشار مصطفى حسن عبد الله، لكنها قررت التنحى وإحالة ملف القضية إلى محكمة استئناف القاهرة لاستشعار رئيس الدائرة الحرج.

وفى 11 مايو 2013، بدأت جلسات القضية برئاسة المستشار محمود الرشيدى وعضوية المستشارين إسماعيل عوض ووجدى عبد المنعم، وسكرتارية محمد السنوسى وصبحى عبد الحميد، رفضت المحكمة جميع الدعاوى المدنية، وقررت حظر النشر على مدى 18 جلسة، استمعت خلالها لبعض الشهود، على رأسهم المشير طنطاوى وعنان وآخرون، ثم سمحت بعد ذلك بالنشر وحددت جدولا زمنيا لعدد الجلسات وخصصت أياما لمرافعة النيابة والدفاع عن كل متهم، كما سمحت للمتهمين بالدفاع عن أنفسهم.. بداية باللواء حبيب العادلى، وزير الداخلية الأسبق، الذى بدا هادئا واثقا من نفسه، وكأنه لم تمر عليه ثلاث سنوات تنقل خلالها شبه يوميا بين حجرته بسجن طرة وقفص المحكمة لمحاكمته فى عدة قضايا.. وبعده تحدث مساعدوه للدفاع عن أنفسهم.

 ثم جاء الدور على الرئيس الأسبق ليتحدث للمرة الأولى من بداية محاكمته فقال: "عجلة التاريخ لا ترجع أبدا إلى الوراء ولا يمكن تزييف التاريخ، ولقد تعرضت وأسرتى لحملات ظالمة من إساءة وتشهير عقب 62 عاما خدمة للوطن، نجحنا خلالها فى إسقاط ما يقرب من نصف ديون مصر الخارجية، وفتحنا أبواب الرزق لملايين من المصريين، ولم تتخل الدولة عن حق مواطنيها.. إن محمد حسنى مبارك الذى يتحدث اليوم أمامكم، لم يكن ليأمر أبدا بقتل المتظاهرين وإراقة دماء المصريين، وهو الذى أفنى عمره فى الدفاع عن مصر وأبنائها".

وأضاف الرئيس الأسبق بكل صدق: "أقول أمام الله وأمام الشعب إننى قضيت حياتى مقاتلا، هكذا كان تعليمى وتدريبى وتلك كانت عقيدتى منذ تخرجى فى سلاح الطيران، ولم أكن لآمر أبدا بقتل مصرى واحد تحت أى ظروف، ولم يكن لى أيضا أن أصدر قرارا بإشاعة الفوضى، وقد حذرت منها، ولم أكن لأصدر قرارا بإحداث فراغ أمني، فليعلم الجميع أننى حافظت على استقرار مصر وأمنها الوطني، ولم يكن من الحقيقة أبدا أن أتهم بالفساد المالى والإضرار بالمال العام، فلا شرف عسكرى ولا أمانة يسمحان لى بذلك، والتاريخ سيحكم على وعلى غيرى بما لنا وما علينا".

تلك كانت آخر كلمات الرئيس الأسبق قبل أن يضع القاضى الجليل كلمة النهاية ويحكم ببراءة مبارك وبراءة جميع المتهمين المستشار محمود كامل الرشيدى يعلم أنه يمثل العدل الذى هو ظل الله فى الأرض، وقد أصدر حكمه العادل فى قضية وصل عدد أوراقها إلى 160 ألف ورقة، وقد كانت الجلسات معلنة ومتاحة للإعلام لنشر الحقيقة الكاملة أمام الشعب وأمام العالم كله.. ولن ينسى التاريخ موقف هذا القاضى الذى وضع أسسا جديدة لتعامل القضاء وعلانيته.

وسيظل الحكم الذى أصدره المستشار الرشيدى فى «قضية القرن» حدثاً تاريخياً تتناقله الأجيال، فمبارك هو الرئيس الوحيد من رؤساء الدول التى اجتاحتها ثورات الربيع العربى الذى وقف فى قفص الاتهام، ينتظر كلمة العدالة.

مناشدة للرئيس عبد الفتاح السيسي

ناشد المستشار محمود الرشيدى قاضى محاكمة القرن، الرئيس عبد الفتاح السيسى بتعظيم الدور الإيجابى للمجلس القومى لرعاية أسر الشهداء ومصابى الثورة ليفعل بقوة فى المرحلة المقبلة ويستظل برعايته كل من قدموا أرواحهم وينعمون فى الجنان أو من المصابين، خاصة من فقد عضوًا من جسده، فتهدأ أحوال المصريين وتطيب النفوس بعد الرضا بما قدره الرحمن.

280112