تهانى الجبالى :ثورة يناير أخطأت بعدم إنشاء محاكم سياسية

2014-12-02 13:37:45

تمر مصر بمرحلة دقيقة وحرجة فى تاريخها بعد سنوات طويلة من الفساد والظلام.. وتواجه حربا شرسة من إرهاب خسيس يهدف إلى هدم الدولة.. ولاشك أننا بحاجة إلى تكاتف الجميع وتكتل كافة القوى من أجل أن تتعافى  وتنتصر مصر على تحديات لا حدود لها فى الداخل والخارج..  لقراءة المشهد المصرى زس          السابق، لعمل قراءة في المشهد السياسي المصري بعد 30 يونيو، والأحكام الصادرة في القضايا المتعلقة بثورتي 25 يناير و30يونيو، وتأثير الوضع السياسي الحالي على البرلمان القادم.. عن هذه الأمور وغيرها من المحاور كان لنا هذا الحوار..

 

** ما هى رؤيتك لثورة 30 يونيو وعلاقتها بـ 25 يناير ؟

ثورة 30 يونيو وضعت عقبة أمام المشروع الإستراتيجى للولايات المتحدة الأمريكية لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة بالكامل وتحقيق مشروع الشرق الأوسط الكبير القائم على إعادة  تقسيم المنطقة على أسس طائفية وعرقية ودينية  فمصر بخروجها واحتشادها التاريخى أزاحت تنظيم الإخوان الذى كان إحدى الآليات التى اعتمدتها أمريكا لتحقيق المخطط وهو وصول التنظيم الدولى للإخوان للحكم فى جميع الدول العربية وخاصة الدول الإستراتيجية مثل مصر وتونس وسوريا وليبيا والجزائر, فالمشروع الفكرى للجماعة والذى قامت عليه منذ سنة 1928 وهو إحياء الخلافة الإسلامية بمفهوم الأممية, تطابق مع ما تريده الولايات المتحدة الأمريكية فى هذه المرحلة أن تكون كل الحدود غير مقدسة ويعاد تقسيم المنطقة وفى ذات الوقت إيجاد دول قائمة على أساس دينى لتحرير المشروع الصهيونى.

** وماذا عن 25 يناير؟

 * كانت ببساطة شديدة, حالة ثورية عاشتها  مصر منذ خمس سنوات عنوانها الرئيسى هو انهيار قدرة التوازن الطبقى بين الطبقة الوسطى والطبقة الفقيرة وليس الاستبداد السياسى بمفهوم حرية الرأى والتعبير، فجميعنا كنا نهاجم مبارك ونهاجم الحكومات والصحف تكتب كل شيء،  هذا ما ضغط على الشعب وعندما ظهرت الشرارة  خرج بلا عودة من أجل تغيير النظام الذى أجاعه وليس لأن النظام مستبد, الشعب المصرى قد يتحمل الاستبداد فى بعض الأحيان ولكنه لا يتحمل الجوع هذا مالا يفهمه من يتحدثون فقط عن المؤامرة لأن المؤامرة كانت موجودة ومستعدة لمواجهة الحالة الثورية التى كانت بشائرها واضحة لمدة خمس سنوات وظهرت فى  الخروج المتكرر للقطاعات العمالية ثم زاد الضغط على أعصاب المصريين بمشروع التوريث وما به من انتهاك لحرمة الدولة والجمهورية وكانت هذه هى القشة التى قصمت ظهر البعير

 وماذا عن فترة حكم المجلس العسكري؟

 * أخطاء الإدارة كانت قائمة، فلم تكن هناك خطط مجهزة لمواجهة كل الاحتمالات, وبالتالى حين سقطت كرة النار فى أيديهم كانت المسألة فيها اختبار أكثر منها تركيز فى الاختيارات وهذا ما أدى إلى تصور أن تمر المرحلة بتسكين خطر جماعة الإخوان، وهذا الأمر بدأ قبل أن يغادر مبارك الحكم من خلال فتح الحوار الشهير مع اللواء عمر سليمان وجماعة الإخوان رسميا لأول مرة, وبداية الحوار كانت  حول أن الميدان قوته الرئيسية هى الإخوان فى حين أنهم كانوا لا يمثلون أكثر من 15 %  ..  فضلا عن عدم وجود قوى سياسية حقيقية فى مصر فى ظل صفقة مبارك مع الإخوان والتى استمرت 30 سنة برعاية أمريكية, فنظام مبارك لم تكن فيه معارضة سياسية حقيقية أو أحزاب سياسية وإنما كانت المعارضة الوحيدة هى الإخوان, وبالتالى فالسقوط هنا كان سقوطا للنظام بجناحيه باعتبار أن 30 يونيو شهد إسقاط الجناح الآخر لنظام مبارك..

** سقط الإخوان، ودخلت مصر في دوامة من العنف.. كيف تنتهي برأيك؟

*ستنحسر إن عاجلا أو آجلا لكن التضحيات ستكون جسيمة, دروس التاريخ تقول إن الشعوب هى الباقية، ومهما طالت لحظة الخطر ستأتى لحظة الانتصار، الشعب المصرى عاش فى ظل الهكسوس 200 سنة, وفى ظل الحيثيين حوالى 120 سنة, وتعرض للغزوات المتكررة وفى كل مرة تبقى مصر ويبقى الشعب المصرى, ورغم أننا نعيش الآن مرحلة من أخطر ما يكون لكننا فى النهاية سننتصر.

** ما هى توقعاتك للبرلمان القادم ؟

*أتوقع أن يكون برلمانا مؤقتا لأنه سيكون منقسما انقساما فسيفسائى لن يتكون من كتل, بل أفكار متناقضة, و مهددا بتحالف أصحاب المصالح من رءوس فساد نظام  مبارك والجيل الثالث والرابع من الإخوان المسلمين المستتر وما بين اللوبى أو الطابور الخامس الأمريكى الذى يمارس دوره لوصولنا إلى نقطة الصفر بعودة النظام بجناحيه, ولذا فالتحدى أمام الشعب المصرى أن يكون قادرا على صناعة المعجزة  واختيار من يمكن أن يمثل هذه القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة فى الثورة.. هذا هو التحدى الخطير الذى لا يقل عن تحديه فى اختيار الرئيس, فإما أن تكون كتلة وطنية تعبر عن القوى الاجتماعية وتدير صراعا سياسيا داخل هذا المجتمع، وإلا فهذا البرلمان سيكون مؤقتا.

**ماذا يعنى برلمانا مؤقتا ؟

*سيكون مؤقتا إذا لم ينجح فى أداء مهمته لأن لديه مشكلات كثيرة متعلقة  بالدستور وأيضا مرهون بقدرته على أداء المهمة فى استكمال سلطات الدولة ومؤسساتها والعبور بنا من المرحلة, فهو أولا سيشكل الحكومة إذا وافق البرلمان بالثلثين وإذا لم يوافق البرلمان فى ظل حالة التناقض بداخله سيكون هناك تكليف لحزب الأكثرية وهو فى ظل هذه التقسيمات لن يزيد عن عشر أو ربع البرلمان على أحسن تقدير وسيكون مرهونا بموافقة الثلثين على رئيس الوزراء الذى سيسميه حزب الأكثرية وإذا لم يتحقق هذا سيتم حله بالدستور, إذن نحن أمام فخ مؤقت ولن نحقق الاستقرار.

**وماذا عن الأحزاب والتحالفات الانتخابية؟

*أنا لا أرى فى مصر أحزابا بل مشروعات وهمية وشخصية ليس لها تعبير على الأرض لتمثل قوى اجتماعية بدليل أن أى حزب من هذه الأحزاب لم يعلن توجهه مع من أو  ضد من، وما هى  انحيازاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ولم يقدم مشروعا متكاملا.

**هل يعني هذا أنك مع تأجيل الانتخابات البرلمانية؟

 بالطبع كان يجب ألا يتم إجراء الانتخابات قبل عامين، حتى تتغير معادلات وتوازنات القوى على الأرض، فلا يوجد شعب يمشى بالخريطة التى يرسمها له أعداؤه, إذا كان أعداؤنا يريدون أن نجرى انتخابات أمس فعلينا أن نتمهل كثيرا قبل أن نجريها.

 

 . **وما هى توقعاتك للمرأة فى البرلمان القادم ؟

*المرأة ستكون رقما صعبا فى الانتخابات القادمة وأتوقع أن تحصل على 100 مقعد سواء فى القائمة أو الفردى وفى نفس الوقت الكتل التصويتية للمرأة ستؤثر فهناك حالة اتقاد لدى الكتلة النسائية فى مصر .

 

  وماذا عن مستقبل الإسلام السياسى فى مصر ؟

 لا يوجد شيء اسمه إسلام سياسى، فهو استخدام خادع للدين من أجل الوصول للسلطة, فلا  كهنوت ولا احتكار للدين, هذا جزء من التقسيم التعسفى الذى ألقاه إلينا الغرب المتآمر.. ففجأة انقسمنا إلى إسلاميين وليبراليين ولا أعلم هوية هؤلاء أو هؤلاء, ونحن فى حاجة إلى الخروج من أسر هذه المسميات من أجل خدمة رؤية سياسية واضحة إما قوى يمين أو يسار أو وسط .

** وماذا عن موقع حزب النور فى هذا التيار؟

هو  جزء من اليمين الدينى الذى يتستر بالدين من أجل الوصول للسلطة لأن الدين لم يكن يوما عنوانا للسلطة, فالأنبياء والمرسلون لم يسع منهم أحد للوصول للسلطة، لكن هؤلاء جميعا يسعون للسلطة وهذا فى حد ذاته يسقط عنهم الدين.

على مستوى السياسة الخارجية  كيف ترين الإدارة المصرية فى هذا الإطار؟

الولايات المتحدة تدير حالة حرب معلنة على الأمة العربية بالكامل, مصر تحاول استرداد دورها فى حماية الأمن القومى العربى بإعادة خطوط الدفاع العربية وفق نظرية المصلحة المشتركة لأن الخطر يهدد الجميع.

**ماذا عن صورة مصر فى الإعلام الغربى ؟

*أنا لا يعنينى الإعلام الغربى فهو مخطط وممنهج وممول ويعلم عنا أكثر مما نعرف ويقوم بلى الحقائق والادعاء بالباطل لصالح مايريده, وعلينا أن نبحث عن تقوية الذات ومعالجة ثغرة الإعلام الوطنى الغائب أكثر من حديثنا عن صورتنا فى الإعلام الغربى لأنه سيظل صائدا فى الماء العكر فهو من أدوات الجيل الرابع للحروب.

 **وهل إعلامنا مؤهل لذلك ؟

*للأسف لا توجد لدينا إستراتيجية إعلامية واضحة، فالكفاءات الوطنية تتراجع أمام الكفاءات الممولة بالمال ويتحكم فى الإعلام الخاص توجهات الملاك, أما الإعلام الوطنى فيتعرض للابتزاز بأشكال مختلفة، وهذا يبدو فى محاولات بيع الإعلام الوطني.. نحن بحاجة فى هذه المرحلة الخطرة إلى عودة فكرة الإرشاد القومى فهناك ثوابت قومية يجب الدفاع عنها فالوطنية ليست وجهة نظر وحرية الإعلام لا تعنى الحرية فى هدم الدولة أو طمس معالم الشخصية أو تغييب الوعى الجمعى للشعب، وحتى الآن الرسالة الإعلامية تائهة وتفتقد التوجيه الإستراتيجى.

** على ذكر حرية الرأى والتعبير ما رأيك في الضجة المثارة حول قانون التظاهر؟

*هذه قضية مفتعلة لمجرد الإيحاء بأن هناك تقييد للحريات فى مصر, فمن يقرأ قانون التظاهر فى مصر ويقارنه بغيره فى دول أوروبا وأمريكا سيعرف أنه قانون متسامح للغاية, ولمن ينتقدوه أسألهم أين المواد الخلافية فى هذا القانون؟ ...  نحن فى لحظة حرب مع إرهاب أسود بل نحن فى حالة نموذجية لإعلان حالة الطوارئ ورغم ذلك لم يحدث إلا مؤخرا فى سيناء .

 ** ما تعليقك حول الحديث المتداول عن بطء المحاكمات وتسييس القضاء ومؤخرا اللجوء إلى القضاء العسكرى فى قضايا الإرهاب؟

*نحن ارتكبنا خطأ جسيما منذ 25 يناير لأننا طالبنا القضاء العادى أن يجرى محاسبة سياسية فى حين أنه يحكم بالأدلة المتوافرة سواء بالإدانة أو البراءة, لكن لأننا لم ننشئ من خلال آليات العدالة الانتقالية المحاكمات التى يجب أن تجرى لنظامى الحكم اللذين سقطا بعد الثورتين مبارك والإخوان وحتى الآن نصمت عن تشكيل اللجان التى كانت مسئولة عن إجراء محاسبة سياسية بالإجابة عن الأسئلة الثلاثة الشهيرة ما الذى حدث؟ وكيف حدث؟ ومن المسئول ؟ على المستوى السياسى والاقتصادى والاجتماعى وعندما يكون هناك جريمة تمثل واقعة جنائية تحال لمحكمة الجنايات هذا هو المنظور العام للمحاسبة ما بعد الثورات، نحن لم نفعل هذا ومازلنا حتى الآن نصمت عنه وبالتالى حولنا القضاء المصرى لمنصة ضرب نار لمجرد أننا ننتظر منه إجراء محاسبة سياسية فى قلب المحاكمة الجنائية.

فى نفس الوقت فكرة التعجل فى القضاء الجنائى مرفوضة, المسار من البداية كان خاطئا وهذا ما أحدث حالة العبء النفسى علينا وعلى القضاء.

أما بالنسبة للإحالة المتأخرة لجرائم الإرهاب للقضاء العسكرى، فهي تعتبر تصحيحا متأخرا لأوضاع قانونية ليست منضبطة, فكان عندنا إرباك لحالة العدالة دفعنا ثمنه باستهداف القضاء المصرى من أعدائه واتهامه بأنه مسيس, لأننا لم نفصل من البداية .

 

**الفساد من أخطر الملفات كيف يواجهه النظام الحالى ؟

*حزب الفساد فى مصر هو أقوى وأكبر حزب وأكثر تنظيمًا من الأحزاب المصرية مجتمعة، لأنه يحمى بعضه البعض ومتوغل فى مفاصل الدولة, النية المعلنة لرأس القيادة الحالية هى أنه لن يكون هناك أى تهاون فى مواجهة الفساد  وجزء من المصداقية تبدأ بتقوية البنية التشريعية  للأجهزة الرقابية وتفعيل تقاريرها وعلينا أن نعلم أن القوانين التى وضعت أيام مبارك كانت تقلل من جريمة الفساد واستغلال النفوذ والاستيلاء على المال العام، وتضيعها فى أروقة قوانين كانت تشكل جزءا من الانحراف التشريعى, فبعض القوانين كان يتم تعديلها بالتليفون لصالح الاحتكار مثلا.

 ** وما رأيك فى المشروعات القومية التى بدأتها مصر ؟

*المشروعات القومية والإستراتيجية مثل قناة السويس الجديدة والمليون فدان وغيرها أمر مرحب به جدا فى وطن يعاد بناؤه، لكن المرحلة تتطلب أيضا مزيدا من الاهتمام لتسكين الألم الاجتماعى وعلى سبيل المثال يجب استرداد كل ما أغلق عقب الثورة مثل المصانع وشركات السياحة التى توقفت ولابد من دعم وطنى لهذه المشروعات لإنعاشها سريعا, وأيضا يجب إعادة النظر فى النموذج التنموى وهذه هى القضية الكبرى لأنها ستصطدم بمصالح  النيوليبرال ومن يطالبون بتحرير السوق من الدولة .. نحن فى مرحلة تتطلب أن يكون فيها الاقتصاد رأسماليا موجها لإصلاح النظام الاقتصادى فى مصر, هذه هى المعركة الأكبر التى سيترتب عليها استرداد الوطن العادل لتحقيق العدالة الاجتماعية وهو مطلب الشعب المصرى فى ثورتيه مما سيمنع قيام الموجة الثالثة من الثورة.

280111